البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ٤٤ - بغداد
عيسى الأعظم الذي يأخذ من معظم الفرات تدخل فيه السفن العظام التي تأتي من الرقة و يحمل فيها الدقيق و التجارات من الشام، و مصر تصير إلى فرضة عليها الأسواق و حوانيت التجار لا تنقطع في وقت من الأوقات فالماء لا ينقطع، و لهم الآبار التي يدخلها الماء من هذه القنوات فهي عذبة، شرب القوم جميعا منها.
و إنما احتيج إلى هذه القنوات لكبر البلد و سعته و إلا فهم بين دجلة و الفرات من جميع النواحي تدفق عليهم المياه حتى غرسوا النخل الذي حمل من البصرة فصار ببغداد أكثر منه بالبصرة، و الكوفة، و السواد [١]، و غرسوا الأشجار و أثمرت الثمر العجيب و كثرت البساتين و الأجنّة في أرباض بغداد من كل ناحية لكثرة المياه و طيبها، و عمل فيها كل ما يعمل في بلد من البلدان لأنّ حذاق أهل الصناعات انتقلوا إليها من كل بلد و أتوها من كل أفق و نزعوا إليها من الأداني و الأقاصي، فهذا الجانب الغربي من بغداد و هو جانب المدينة و جانب الكرخ، و جانب الأرباض.
و في كل طرف منه مقبرة و قرى متصلة و عمارات مادة. و الجانب الشرقي من بغداد نزله المهدي بن المنصور و هو ولي عهد أبيه، و ابتدأ بناءه في سنة ثلاث و أربعين و مائة فاختطّ المهدي قصره بالرصافة إلى جانب المسجد الجامع الذي في الرصافة، و حفر نهرا يأخذ من النهروان [٢] سماه نهر المدي يجري في الجانب الشرقي.
و أقطع المنصور إخوته و قوّاده بعد ما أقطع من الجانب الغربي و هو جانب مدينته
و في بعض الكتب: أنه في سنة ٤٨٨ ه أحرقت محلة نهر طابق و صارت تلولا لفتنة كانت بينهم و بين محلة باب الأرحاء. (معجم البلدان ج ٥/ ص ٣٧١).
[١] السواد: يراد به رستاق العراق و ضياعها التي افتتحها المسلمون على عهد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سمي بذلك لسواده بالزروع و الأشجار لأنه حيث تاخم جزيرة العرب التي لا زرع فيها و لا شجر كانوا إذا خرجوا من أرضهم ظهرت لهم خضرة الزروع و الأشجار فيسمّونه سوادا كما إذا رأيت شيئا من بعد قلت ما ذلك سوادا، و هم يسمّون الأخضر سوادا و السواد أخضر، فسمّوه سوادا لخضرته بالزروع و الأشجار و حدّ السواد من حديثه إلى الموصل.
(معجم البلدان ج ٣/ ص ٣٠٩).
[٢] النهروان: بالكسر و الفتح و أكثر ما يجري على ألسنة الناس الكسر أي كسر النون، و هي كورة واسعة بين بغداد و واسط من الجانب الشرقي حدّها الأعلى من الجانب الشرقي حدّها الأعلى متّصل ببغداد و فيها بلاد متوسطة عدّة، و كان بها وقعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه مع الخوارج مشهورة. (معجم البلدان ج ٥/ ص ٣٧٥).