البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ٥٧ - سر من رأى
أيضا، ثم قال أرض القاطول غير طائلة و إنما هي حصار و أفهار [١]، و البناء بها صعب جدا و ليس لأرضها سعة، ثم ركب متصيّدا فمر في مسيره حتى صار إلى موضع سر من رأى صحراء من أرض الطيرهان لا عمارة بها و لا أنيس فيها إلا دير للنصارى، فوقف بالدير و كلم من فيه من الرهبان، و قال ما اسم هذا الموضع؟ فقال له بعض الرهبان:
نجد في كتبنا المتقدمة أن هذا الموضع يسمى سر من رأى، و أنه كان مدينة سام بن نوح و أنه سيعمر بعد الدهور على يد ملك جليل مظفر منصور له أصحاب كأن وجوههم وجوه طير الفلاة ينزلها و ينزلها ولده.
فقال: أنا و اللّه أبنيها و أنزلها و ينزلها ولدي، و لقد أمر الرشيد يوما أن يخرج ولده إلى الصيد فخرجت مع محمد و المأمون، و أكابر ولد الرشيد فاصطاد كل واحد منا صيدا، و اصطدت بومة، ثم انصرفنا، و عرضنا صيدنا عليه فجعل من كان معنا من الخدم يقول هذا صيد فلان، و هذا صيد فلان حتى عرض عليه صيدي فلما رأى البومة، و قد كان الخدم أشفقوا من عرضها لئلا يتطيّر بها أو ينالني منه غلظة، فقال من صاد هذه؟ قالوا: أبو إسحاق فاستبشر و ضحك و أظهر السرور؛ ثم قال: أما أنّه يلي الخلافة و يكون جنده و أصحابه، و الغالبون عليه قوما وجوههم مثل وجه هذه البومة فيبني مدينة قديمة، و ينزلها هؤلاء القوم ثم ينزلها ولده من بعده. و ما سر الرشيد يومئذ بشيء من الصيد كما سر بصيدي لتلك البومة.
ثم عزم المعتصم على أن ينزل بذلك الموضع فأحضر محمد بن عبد الملك الزيّات [٢]، و ابن أبي دؤاد، و عمر بن فرج، و أحمد بن خالد المعروف بأبي الوزير، و قال لهم اشتروا من أصحاب هذا الدير هذه الأرض، و ادفعوا إليهم ثمنها أربعة آلاف دينار [٣] ففعلوا ذلك ثم أحضر المهندسين، فقال اختاروا أصلح هذه المواضع،
[١] أفهار: مفردها فهر، و هو حجر رقيق تسحق به الأدوية. (القاموس المحيط، مادة: فهر).
[٢] محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، أبو جعفر، المعروف بابن الزيّات، وزير المعتصم، و الواثق العباسيين، و عالم باللغة و الأدب، من بلغاء الكتّاب و الشعراء. ولد سنة ١٧٣ ه/ ٧٨٩ م. نشأ في بيت تجارة في الدسكرة قرب بغداد، و نبغ، فتقدّم حتى بلغ رتبة الوزارة، و عوّل عليه المعتصم في مهام دولته، و كذلك ابنه الواثق. و لما مرض الواثق عمل ابن الزيّات على تولية ابنه و حرمان المتوكّل، فلم يفلح، و ولي المتوكّل فنكبه، و عذّبه إلى أن مات ببغداد سنة ٢٣٣ ه/ ٨٤٧ م. و كان من العقلاء الدهاة، و في سيرته قوة و حزم.
[٣] ورد في معجم البلدان (٣/ ١٩٦): «أن المعتصم أمر أبا الوزير أحمد بن خالد الكاتب بأن يأخذ مائة ألف دينار و يشتري بها بناحية سرّ من رأى موضعا يبني فيه مدينة، فقال أبو الوزير: