البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ٦٠ - سر من رأى
فرسخين و سمّى الموضع المطيرة، فأقطع أصحاب الأسروشنية و غيرهم من المضمومين إليه حول داره، و أمره أن يبني فيما هناك سويقة فيها حوانيت للتجار فيما لا بد منه و مساجد و حمامات.
و استقطع الحسن بن سهل [١] بين آخر الأسواق و كان آخرها الجبل الذي صار فيه خشبة بابك، و بين المطيرة موضع قطيعة أفشين، و ليس في ذلك الموضع يومئذ شيء من العمارات ثم أحدقت العمارة به حتى صارت قطيعة الحسن بن سهل وسط سر من رأى.
و امتدّ بناء الناس من كل ناحية و اتصل البناء بالمطيرة. و جعلت الشوارع لقطائع قوّاد خراسان و أصحابهم من الجند و الشاكرية [٢]، و عن يمين الشوارع و يسارها الدروب فيها منازل الناس كافة، و كان الشارع المعروف بالسريجة، و هو الشارع الأعظم ممتدا من المطيرة إلى الوادي المعروف في هذا الوقت بوادي إسحاق بن إبراهيم [٣] لأن إسحاق بن إبراهيم انتقل من قطيعته في أيام المتوكل فبنى على رأس الوادي و اتّسع في البناء.
ثم قطيعة إسحاق بن يحيى بن معاذ، ثم تتصل قطائع الناس يمنة و يسرة في هذا
[١] الحسن بن سهل بن عبد اللّه السرخسي ولد سنة ١٦٦ ه/ ٧٨٢ م، أبو محمّد، وزير المأمون العباسي، و أحد كبار القادة و الولاة في عصره، اشتهر بالذكاء المفرط، و الأدب و الفصاحة، و حسن التوقيعات و الكرم، و هو والد بوران زوجة المأمون، و كان المأمون يجلّه و يبالغ في إكرامه، و للشعراء فيه أماديح. أصيب بمرض السويداء سنة ٢٠٣ ه، فتغيّر عقله حتى شدّ في الحديد، ثم شفي منه قبل زواج المأمون بابنته سنة ٢١٠ ه، و توفي في سرخس من بلاد خراسان سنة ٢٣٦ ه/ ٨٥١ م. قال الخطيب البغدادي: و هو أخو ذي الرياستين الفضل بن سهل، كانا من أهل بيت الرياسة في المجوس و أسلما، هما و أبوهما سهل في أيام الرشيد.
[٢] الشاكريّة: مفردها شاكريّ: الأجير و المستخدم، لفظة فارسية الأصل. (المنجد في اللغة و الأعلام، ماة: شكر).
[٣] إسحاق بن إبراهيم بن ميمون التميمي، الموصلي، أبو محمد، ابن النديم، من أشهر ندماء الخلفاء. تفرّد بصناعة الغناء، و كان عالما باللغة، و الموسيقى، و التاريخ، و علوم الدين، و علم الكلام، راويا للشعر، حافظا للأخبار، شاعرا، له تصانيف، من أفراد الدهر أدبا، و ظرفا، و علما. فارسي الأصل، مولده سنة ١٥٥ ه/ ٧٧٢ م، في بغداد. عمي قبل سنتين من موته سنة ٢٣٥ ه/ ٨٥٠ م. نادم الرشيد، و المأمون، و الواثق العباسيين، و لما مات نعي إلى المتوكّل، فقال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك و بهائه و زينته، و ألف كتبا كثيرة، قال ثعلب: رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب كلها سماعه.