البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ١٧ - بغداد
و اختط البصرة عتبة بن غزوان المازني [١]- مازن قيس- في سنة سبع عشرة و هو يومئذ عامل عمر بن الخطاب.
الخلفاء الراشدين، و أول من لقّب بأمير المؤمنين، الصحابي الجليل، الشجاع الحازم، صاحب الفتوحات، يضرب بعدله المثل. كان في الجاهلية من أبطال قريش و أشرافهم، و له السفارة فيهم، ينافر عنهم و ينذر من أرادوا إنذاره. و هو أحد العمرين اللذين كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يدعو ربه أن يعزّ الإسلام بأحدهما، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين، و شهد الوقائع. قال ابن مسعود: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر. و قال عكرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتى أسلم عمر، و كانت له تجارة بين الشام و الحجاز. بويع بالخلافة يوم وفاة أبي بكر سنة ١٣ ه بعهد منه، في أيامه تمّ فتح الشام و العراق، و افتتحت القدس، و المدائن، و مصر، و الجزيرة، حتى قيل: انتصب في مدته اثنا عشر ألف منبر في الإسلام.
و هو أول من وضع للعرب التاريخ الهجري، و كانوا يؤرّخون بالوقائع، و اتخذ بيت مال للمسلمين، و أمر ببناء الكوفة، و البصرة فبنيتا، و أول من دوّن الدواوين في الإسلام، جعلها على الطريقة الفارسيّة، لإحصاء أصحاب الأعطيات و توزيع المرتّبات عليهم. و كان يطوف في الأسواق منفردا. و يقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم. و كتب إلى عماله: إذا كتبتم لي فابدأوا بأنفسكم. و روى الزهري: كان عمر إذا نزل به الأمر المعضل دعا الشبّان فاستشارهم يبتغي حدّة عقولهم. و له خطب و رسائل غاية في البلاغة. و كان لا يكاد يعرض له أمر إلّا أنشد فيه بيت شعر. و كان أول ما فعله حين ولي أن ردّ سبايا أهل الردّة إلى عشائرهن.
و قال: كرهت أن يصير السبي سبة على العرب. و كانت الدراهم في أيامه على نقش الكسروية، و زاد في بعضها: «الحمد للّه» و في بعضها: «لا إله إلا اللّه وحده» و في بعضها «محمد رسول اللّه»، له في كتب الحديث ٥٣٧ حديثا. و كان نقش خاتمه: «كفى بالموت واعظا يا عمر». و في الحديث: «اتقوا غضب عمر، فإنّ اللّه يغضب لغضبه» لقّبه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالفاروق، و كنّاه بأبي حفص، و كان يقضي على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). قالوا في صفته: كان أبيض عاجي اللون، طوالا مشرفا على الناس، كثّ اللحية، أنزع (منحسر الشعر من جانبي الجبهة) يصبغ لحيته بالحناء و الكتم. قتله أبو لؤلؤة فيروز الفارسي غلام المغيرة بن شعبة، غيلة بخنجر في خاصرته و هو في صلاة الصبح، عاش بعد الطعنة ثلاث ليال. و كانت وفاته سنة ٢٣ ه/ ٦٤٤ م.
[١] عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب الحارثي المازني، المولود سنة ٤٠ ق. ه/ ٥٨٤ م، أبو عبد اللّه، باني مدينة البصرة، صحابي، قديم الإسلام. هاجر إلى الحبشة، و شهد بدرا، ثم شهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص، و وجهه عمر إلى أرض البصرة واليا عليها و كانت تسمّى «الأبلّة» أو «أرض الهند» فاختطها عتبة و مصّرها، و سار إلى ميسان و أبزقباذ فافتتحهما، و قدم المدينة لأمر خاطب به أمير المؤمنين عمر، ثم عاد فمات في الطريق سنة ١٧ ه/ ٦٣٨ م، و كان طويلا جميلا من الرماة المعدودين. روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أربعة أحاديث.