البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ١٩ - بغداد
دمشق و أهله معه، فلمّا غلب على الأمر و صار إليه السلطان [١] جعل منزله و داره دمشق التي بها كان سلطانه، و أنصاره، و شيعته.
ثم نزل بها ملوك بني أمية بعد معاوية لأنهم بها نشأوا لا يعرفون غيرها، و لا يميل إليهم إلا أهلها، فلمّا أفضت الخلافة إلى بني عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من ولد العباس بن عبد المطلب [٢] عرفوا بحسن تمييزهم، و صحة عقولهم، و كمال آرائهم فضل العراق، و جلالتها، و سعتها، و وسطها للدنيا، و أنها ليست كالشام الوبيئة الهواء، الضيقة المنازل، الحزنة الأرض، المتصلة الطواعين، الجافية الأهل.
و لا كمصر المتغيرة الهواء، الكثيرة الوباء، التي إنّما هي بين بحر رطب عفن [٣] كثير البخارات الرديئة التي تولد الأدواء و تفسد الغذاء، و بين الجبل اليابس [٤] الصلد الذي ليبسه، و ملوحته، و فساده لا ينبت فيه خضر و لا ينفجر منه عين ماء.
و لا كأفريقية [٥] البعيدة عن جزيرة الإسلام و عن بيت اللّه الحرام، الجافية الأهل، الكثيرة العدو.
فحاصروه أربعين يوما، و تسوّر عليه بعضهم الجدار فقتلوه صبيحة عيد الأضحى و هو يقرأ القرآن في بيته بالمدينة. و لقب بذي النورين لأنه تزوج بنتي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) رقية ثم أم كلثوم.
[١] السلطان: الحكم.
[٢] العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الفضل، من أكابر قريش في الجاهلية و الإسلام، ولد سنة ٥١ ق. ه/ ٥٧٣ م، وجد الخلفاء العباسيين، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في وصفه: «أجود قريش كفّار و أوصلها، هذا بقيّة آبائي» و هو عمه، كان محسنا لقومه، سديد الرأي، واسع العقل، و مولعا بإعتاق العبيد، كارها للرق، اشترى ٧٠ عبدا و أعتقهم. كانت له سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام (و هي أن لا يدع أحدا يسب أحدا في المسجد و لا يقول فيه هجرا). أسلم قبل الهجرة و كتم إسلامه، و أقام بمكة يكتب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبار المشركين، ثم هاجر إلى المدينة، و شهد وقعة «حنين» فكان ممن ثبت حين انهزم الناس.
و شهد فتح مكة، و عمي في آخر عمره، و كان إذا مرّ بعمر أيام خلافته ترجّل عمر إجلالا له، و كذلك عثمان. أحصي ولده في سنة ٢٠٠ ه، فبلغوا ٣٣٠٠٠، و كانت وفاته في المدينة سنة ٣٢ ه/ ٦٥٣ م عن عشرة أولاد ذكور سوى الإناث و له في كتب الحديث ٣٥ حديثا.
[٣] لعله البحر الأحمر.
[٤] لعله جبل المقطّم.
[٥] إفريقيا: و هي القارة المعروفة اليوم و هي بعيدة عن الجزيرة العربية معظم سكانها من السودان و كان فيها البربر و كانوا على عداء مع العرب. (معجم البلدان ج ١/ ص ٢٧٠).