نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨١ - ٥٣- يوم تبيضُّ وجُوهٌ وتسودُّ وجُوهٌ
قال «الراغب» في «المفردات»: الجزاء في الأصل بمعنى الاستغناء والاكتفاء، واطلقوا على الثواب والعقاب جزاء لأنّهما يكفيان لإصلاح العمل المرتكب، وجاء نفس هذا المعنى في مقاييس اللغة أيضاً.
ومن الجدير بالذكر أنّ الخطاب في الآيتين الاوليين موجّهٌ إلى بني اسرائيل الذين يضرب بهم المثل على مدى الدهور بالتعصّب العرقي والقومي، فالقرآن ينذرهم بقوله: أنتم الذين تحملون روح التعصب فيما بينكم فسوف تنسون كل شيء في ذلك اليوم العظيم، كل شيء إلّاأنفسكم.
والحقائق الناصعة التي تحملها هذه الآيات لا تحتاج إلى توضيح؛ وذلك لأنّها تُثبتُ بوضوح أنّ أهوال يوم القيامة والوقائع الصعبة التي تقع في ذلك اليوم العظيم لا مثيل لها في هذه الدنيا، ففي هذه الدنيا يوجد الكثير ممن يضحّي للآخرين بنفسه من أجل الروابط العاطفية، ولكن هذا الأمر لا يَصْدُق في يوم القيامة على أحد.
٥٣- يوم تبيضُّ وجُوهٌ وتسودُّ وجُوهٌ
هذا التعبير الذي جاء في مورد واحد من القرآن المجيد هو بيانٌ لبعدٍ آخر من أبعاد ذلك اليوم العظيم ويعكس صورة اخرى عن يوم المحشر، قال تعالى: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ». (آل عمران/ ١٠٦)
والوجوه المنيرة هي لأولئك الذين تنعّموا بنور الإيمان فيظهر هذا النور على وجوههم لأنّ يوم «القيامة هو يوم تبرز فيه السرائر» قال تعالى: «وَ أَمَا الَّذِين ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيَها خَالِدُونَ». (آل عمران/ ١٠٧)
أمّا أصحاب القلوب المظلمة الذين خَلَتْ قلوبهم من النور، والكفار والمجرمون الذين اسودّت قلوبهم فإنّ ظلمات باطنهم تخرج إلى ظاهرهم، ويُغمرون في عذاب اللَّه ويقال لهم:
«فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ». (آل عمران/ ١٠٦)