نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٠ - المعاد يكمن في أعماق الروح
قال تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّيْنَ حَنِيْفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَاتَبْديلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الَّدِيْنُ الْقَيّمُ وَلكِنَّ اكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُون».
وهكذا نلاحظ أنّ كلمة «دين» قد تكرر ذكرها مرتين في الآية، وليس ذلك إلّالأجل الدلالة على جميع الحقائق الدينية، وهو سبحانه وتعالى يؤكد بالقول: «فطرة اللَّه» ثم يضيف إلى ذلك: «لا تبديل لخلق اللَّه» ويؤكد ثالثاً، على هذه المسألة ويقول: «ذلك الدين القيم».
وبهذا يستخدم التأكيد ثلاث مرات على أنّ الدين امر فطري بالنسبة للإنسان [١].
ويستفاد من مجموع ماورد في هذه الآية أنّ مسألة معرفة اللَّه ليست هي القضية الوحيدة التي فطر اللَّه الإنسان عليها، بل إنّ الاعتقاد بالقيامة ومحكمة العدل الإلهيّة كذلك.
والجدير بالذكر هو أنّ الروايات التي وردت في تفسير هذه الآية قد أشارت إلى هذا المعنى أيضاً.
جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه عندما سُئل عن معنى الفطرة في هذه الآية، أجاب: هي الإسلام [٢].
وجاء في الدر المنثور نقلًا عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها: دين اللَّه [٣].
وجاء في حديث مشهور روي من طرق الشيعة والسنة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«مامن مولود إلّايولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويُمجسانه ...» [٤].
[١] «حنيف» بمعنى خالص أو لا يوجد فيه أي منعطف نحو الضلالة، والأصل في الاستعمال هو «الميل» إلّاأنّها جاءت هنا بمعنى الانعطاف نحو الحق، و «الفطرة» من مادّة «فطر» على وزن (سَطَرَ) بمعنى الشقّ، وبما أنّ الإنشاء والخلق كأنّه شق لحجاب العدم فقد استخدمت هذه الكلمة في الخلق والإنشاء، و «قيّم» بمعنى ثابت وذو استقامة.
[٢] تفسير نور الثقلين، ج ٤، ص ١٨٤، ح ٥٤.
[٣] تفسير در المنثور، ج ٥، ص ١٥٥.
[٤] تفسير در المنثور، ج ٥، ص ١٥٥؛ وتفسير جامع الجوامع في تعليقه على الآية المعنية؛ وكذلك في تفسير الميزان، ج ٢١، ص ١٨٨.