نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠ - التأكيد على المعاد
ولكن يبقى هنالك سؤال يحتاج إلى الإجابة وهو: لِمَ اكتفى القرآن في هذه المواضع وفي مواضع مُشابهه بالمدّعى من دون ذكر دليلٍ عليه؟
وأسباب ذلك كثيرة؛ وأوّلها: إنّ أدلّة إثبات المعاد وردت في مواضع كثيرة من القرآن المجيد وبُحثت باستمرار، فلم يكن من الضرورة تكرارها في هذه الآية، وثانياً: كأنّ القرآن يريد أن يوضّح هذه الحقيقة وهو أنّ الشواهد على إثبات المعاد بلغت من الوضوح حداً بحيث لم تُبقِ مجالًا للشّك أو التردد [١].
وفي الآية الثانية امِرَ النبي صلى الله عليه و آله بأن يُقسِم مؤكِّداً على أنّ هنالك قيامةً وحشراً ونشراً حيث قال تعالى: «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَّنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّئُونَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسيرٌ».
نحن نعلم بأنّ القسم عادةً من الأعمال غير المحبذة، على الأخص عندما يكون القسم باللَّه تعالى، من أجل هذا نهى القرآن الناس عنه في الآية الكريمة: «وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَ يْمَانِكُمْ». (البقرة/ ٢٢٤)
ولكن أحياناً وعندما يكون الأمر مهماً جدّاً فإنّ القسم لدعم ذلك الأمر لا يكون غير مستحسن فحسب بل يكون لازماً.
وفي هذه الآية، علاوة على ذكر التأكيد في «لتبعثن» و «لتنبئُن» فإنّ الآية في آخرها تُصرِّح على أنّ هذا الأمر يسير على اللَّه، ولذلك فلا يجب أن ترتابوا أو تترددوا فيه [٢].
[١] يجب الانتباه إلى «اللام» في «لَيجمعنكم» للقسم، ثم صاحبتها نون التوكيد الثقيلة، وبعد ذلك اكِّدَت بجملة «لاريب فيه» وأخيراً اشتدّ التأكيد بجملة: «ومن أصدق من اللَّه حديثاً». (ولكن لماذا تعدت «ليجمعنَّ» هنا ب «إلى»، مع أنّ القاعدة تقتضي التعدي ب «في»؟ فإنّ المفسرين اجابوا: إنّ السبب هو أنّ كلمة «ليجمعن» أتت بمعنى «ليحشرنَّ» التي تتعدى ب «إلى»، أو أن تكون «إلى» هنا بمعنى «في».
[٢] «زعْم» على وزن «طعم» في الأصل بمعنى الخطاب المحتمل كذبه أو المتيقّن من كذبه، وأحياناً تأتي بمعنى الظن الكاذب أيضاً من دون أن يكون هنالك أي خطاب، روى بعض المفسرين مثل الشيخ الطوسي في «التبيان» والقرطبي مؤلف كتاب «روح البيان» بأنّ «زعم» كناية عن الكذب.