نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٣ - لو آمنوا بالمعاد لما ارتكبوا الذنوب
وتحدثت الآية السابعة عن «المطففين» (الذين ينقصون الكيل)، قال تعالى: «وَيَلٌ لِّلْمُطَفِّفينَ ... الا يَظُنُّ اولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ* لِيَومٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمينَ».
ومن المحتمل هنا أن يكون الظن بمعنى اليقين، أو بمعنى الظن بالمعنى الثاني، والهدف هو التأكيد على هذا الواقع وهو أنّ يوم الجزاء يبلغ من الأهميّة والعظمة، ممّا يجعل من يظن وقوعه يحرص على عدم ارتكاب المعصية فضلًا عن أن يكون متيقناً.
لكن الكثير من المفسرين انتخبوا المعنى الأول أيضاً، كما جاء في بعض الآيات السابقة مثل الآية ٢٤٩ من سورة البقرة، وقد أكّدت الروايات على هذا المعنى أيضاً [١].
على أَىِّ حال فإنّنا إن فسّرنا الظنّ باليقين أو بالظن الذي هو أقل درجةً من اليقين، ففي كلا الحالتين تعتبر الآية دليلًا على أنّ الإيمان بالقيامة له أثر احترازي مهم، في ترك الظلم والكف عن غصب حقوق الناس وأمثال ذلك.
فكلما قطع أحدٌ، أو حتّى لو احتمل أنّ هناك محكمة عظيمة، يُحاسَبُ فيها على الأعمال الصالحة أو الطالحة حتى لو كان مقدارها «مثقال ذرة»، وينالُ جزاءه على كل عمل، وأنّه لا مفر له من الامتثال أمام تلك المحكمة، فمن البديهي أن يراقب الشخص أعماله في هذه الدنيا، وإيمانه هذا واعتقاده سوف يؤثّر في تربيته.
ومن الطبيعي أنّه ليس المراد هنا بأنّ كل من ينقص الكيل، أو يرتكب ذنباً آخر لا يؤمن بالمعاد وهو كافر، بل المراد هو أنّ هؤلاء إمّا أن يكون إيمانهم ضعيفاً جدّاً أو أن يكونوا غافلين، وإلّا فكيف يؤمن الإنسان إيماناً راسخاً بمثل هذا اليوم ويبتلى بالغفلة أيضاً ويغرق بمثل هذه الذنوب.
لو آمنوا بالمعاد لما ارتكبوا الذنوب:
تحدثت الآية الثامنة عن الذين تقاعسوا عن الاشتراك في الجهاد عندما صدر الأمر بهذه
[١] ورد في احدى الأحاديث المروية عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال: «الظنّ ظنان: ظنُّ شكٍّ وظنُّ يقين، فما كان من أمرِ المعاد من الظنّ فهو ظنُّ يقين وما كان من أمرِ الدنيا فهو على الشك». (تفسير نور الثقلين، ج ٥، ص ٥٢٨، ح ٦) كما جاء في عبارة الراغب أيضاً إنّ (ظنّ) في اللغة تستعمل في كلا الموردين.