نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٨ - الإيمان بالمعاد وعلاقته بالرؤية الواقعية
الإيمان بالمعاد وعلاقته بالرؤية الواقعية:
طرحت هذه المسألة بشكل جديد في الآية الحادية عشرة، حيث قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ لَايُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ».
وكما اشتهر لدى علماء الأدب وعلماء علم اصول الفقه أنّ هذا هو من باب تعليق الحكم على الوصف، وهوَ يُشعِرُ بعلّية الوصف للحكم، بناء على هذا إنْ كانت الآية تنسب تزيين الأعمال إلى عدم الإيمان بالآخرة فيكون مفهومها هو: عندما يفقد الإنسان الإيمان بالآخرة فإنّه سوف يبتلى بهذه العاقبة، (فتأمّل).
كما يمكننا الحصول على هذه النتيجة أيضاً بإعمال شيء من التحليل وهي: إنّ الإِيمان بالآخرة بمعنى الإيمان بوجود محكمة عادلة يباشر الباري تعالى فيها القضاء، وإنّ الشهود هم الملائكة، وإنّ الكذب والاحتيال والشفاعة والرشوة لا تنفع هناك، فالايمان بوجود هذه المحكمة يبعث الإنسان على التدقيق في أعماله، ويجعله ينظر إليها من منظار الواقع.
أمّا بالنسبة لمن يبتعد عن هذه الحقيقة ويشعر بأنّه حرّ أمام الفوارق الموجودة بين المفاهيم من حسنها وسيئها، فإنّ ذلك يؤدّي بالإنسان الأناني إلى الإتيان بالاعذار والتبريرات لخداع نفسه وخداع الآخرين في اضفاء صبغة التقوى والصلاح على شهواته الجموحة، واظهار السيئات بمظهر جميل ممّا يؤدّي به في النهاية إلى الوقوع في أحضان الحيرة والضياع، (وهذا يستفاد من فاء التفريع التي تدلّ على السببية) وهذا من أخطر النتائج المترتبة على إنكار المحكمة الإلهيّة العظمى.
ومن الجدير بالالتفات هنا هو أنّ تزيين الأعمال نُسبَ إلى اللَّه، بينما اسند ذلك إلى الشيطان وحب الهوى في آيات اخرى من القرآن المجيد (في ثمانية موارد)، كما ورد بصيغة المبني للمجهول «زُيّن» في آيات عديدة اخرى (في عشرة موارد)، وإذا ما تأمّلنا في ذلك لوجدنا أَنها تشير إلى حقيقة واحدة هي:
إذا اسند التزيين إلى اللَّه فذلك لأنّ اللَّه هو مسببب الأسباب، لأنّ كل ما للمخلوقات من أفعال تنتهي أخيراً إلى اللَّه، أو بتعبير آخر إنّ اللَّه جعل هذا الأثر مترتباً على إنكار يوم القيامة