نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤ - ٣- البعث
ومن جملتها الآية التي هي مورد بحثنا، فبعد أن ذكر القرآن المجيد ثلاثة امور مهمّة هي (مسألة خلق الإنسان من التراب، والتطوّرات المختلفة للجنين، وإحياء الأرض بعد نزول الغيث) قال تعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَانَّهُ يُحْىِ الْمَوْتَى وانَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ».
«الحق»: يعني الواقع والثبوت، والتعبير السابق- على حد قول «الميزان» يُشير إلى أنَّ اللَّه عزوجل هو عين الواقع لا أنّه وجودٌ له واقع، إنّه عين الثبوت والواقع، وبالاحرى أنَّ واقعية وثبوت كل شيّ في العالم مترشح من فيض وجوده [١].
وما يقابل الحق هو الباطل، فإنّه لا واقع ولا ثبوت له، بل هو خيالٌ وظنٌ باطل وسرابٌ لا غير.
والملفت للنظر في هذه الآية هو الامور الثلاثة المذكورة أعلاه (خلق آدم من التراب، وتطورات الجنين، واحياء الأرض الميّتة) فإنّها جاءت كدليل على إثبات المبدأ الأول أي إثبات أصل وجود اللَّه، وعلى إثبات المعاد وإثبات صفات اللَّه (مثل القدرة).
إنّ هذه التغيّيرات الواسعة والمهيمنة على كل موجودات العالم هي في الواقع دليل على وجود محورٍ ثابت في عالم الوجود، وهذا النظم العجيب الذي يُهيمن على الظواهر المختلفة هو دليلٌ على حكمة وقدرة ذلك المحور، وتدلّ كل هذه الامور بوضوح على إمكان الحياة بعد الموت.
وكما أشرنا سابقاً بأنّ تعبير «احياء الموتى» ورد بشكل واسع في آيات المعاد، فإنّ هذا التعبير يدلّ بوضوح على كون المعاد جسمانيّاً، لا عودة الروح فحسب، بل يعاد في الآخرة الجسم المتعلق بها أيضاً (ولكن على مستوىً أعلا وأرقى كما ستأتي الإشارة إليه لاحقاً) فلو كان المعاد بالروح فقط لما كان للحياة الآخرة مفهوم أصلًا، لأنّ الروح بعد انفصالها عن البدن تستمر في الحياة وتحافظ على بقائها.
٣- البعث
ومن التعابير الاخرى التي وردت في آيات القرآن عن القيامة هو «البعث»، ففي الآية
[١] تفسير الميزان، ج ١٤، ص ٣٧٨.