نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٠ - ٧- الغاية من الموت والحياة
ويستفاد من هذه الآية عدّة امور:
أولًا: إنّ الموت والحياة كلاهما مخلوقان، فإذا كان الموت بمعنى الفناء والعدم المطلق فإنّ كونه مخلوقاً سوف لا يكون ذا معنىً، والسبب في ذلك هو أنّ الموت عبارة عن الانتقال من عالم إلى عالم آخر، لذا فهو أمرٌ وجوديٌ وبالامكان خلقه.
ثانياً: إنّ ذِكْرَ الموت قبل الحياة إمّا أن يكون للدلالة على موت الدنيا وحياة عالم الآخرة، وإمّا أن يكون للدلالة على المرحلة التي كان فيها الإنسان تراباً، فتعتبر الحياة بمعنى الخلق من التراب، وإمّا أن يدلّ على كليهما معاً.
ثالثاً: قد عُرِّفت الدنيا بأنّها ساحة اختبار .. ساحةٌ لانتخاب «أفضل الأفراد من حيث العمل»، ومن البديهي أنَّ شهادة النجاح في هذا الامتحان تُمنَح في الدار الآخرة.
رابعاً: إنّ المقياس الذي يعيّن قيمة الإنسان لدى اللَّه تعالى هو العمل الصالح، ومن البديهي أيضاً أنّ الأعمال الصالحة تنبع من العقائد المخلصة والقلب المؤمن والنّية الخالصة، وذلك لأنّ العمل يكون دائماً انعكاساً لهذه الامور.
ومن المحتمل أن يكون هذا هو دليل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله عند تفسير جملة «أَحْسَنُ عَمَلًا» في أحد الأحاديث المروية عنه، قال صلى الله عليه و آله في تفسيرها: «أتَمُّكُمْ عَقْلًا وَأشَدُّكُمْ للَّهِ خَوْفاً وَأَحْسَنُكُمْ فيَما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وَنَهى عَنْهُ نَظَراً، وَإنْ كَانَ أقَلُّكُمْ تَطَوُّعاً» [١].
فمن هنا يتضح أَنّ التفسيرات المختلفة التي فُسِّرت بها «أحْسَنُ عَمَلًا» مثل: تفسيرها بالأعمال الخالصة أو الأكثر عقلًا أو الأكثر زهداً أو الأكثر ذِكراً للموت أو الأكثر تأهّباً لسفر الآخرة، يتضح أنّها مترابطة مع بعضها البعض، ولا تعتبر تفسيرات مختلفة، وذلك لأنّ هذه التفسيرات كالسيقان والأوراق والجذور والجذع والفواكه للشجرة الواحدة.
خامساً: إنّ القيمة الواقعية تختصّ ب «جوهر الأعمال» لا ب «كمِّها وحجمها»، فرُبَّ عملٍ صغيرٍ ذِي كيفية عالية من جهة الإخلاص والإيمان والمعرفة فاقَ أعمالًا كثيرة، لذا جاء في احدى الروايات عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير أنّه «أحْسَنُ عَمَلًا» قال: «لَيْس يَعْني أكثَرُ
[١] تفسير مجمع البيان، ج ١٠، ص ٣٢٢.