نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٧ - ٣- الإيمان بالمعاد وعلاقته باطمئنان النفس
ساعات العمل عمّا كان عليه سابقاً، وازيحت الاعباء التي كانت تثقل كاهل الإنسان وأُلقي ثقلها على كاهل عجلات المصانع العظيمة، وفي المنازل أيضاً تحملت الآلات الكهربائية أعباء القيام بالأعمال الصعبة فأصبحت المنازل أكثر تطوراً وعدّة، والوسائط النقلية أكثر فائدة، فالسفر الذي كان في الماضي يعتبر قطعة من الجحيم أصبح اليوم من أسباب الرّاحة واللهو، وأخيراً أدْخَلَت وسائل اللهو الحديثة والجيّدة على حياته لوناً جديداً.
فعلى غرار هذا التطوّر فإنّه يُتوقّع أن يعيش الإنسان في عصرنا الحاضر وهو يتمتع بهدوءٍ تام، وصحّة تامة من الناحية البدنية والروحية معاً، لكننا نرى بوضوح أَنّ الاضطراب والقلق ينتابانه أكثر ممّا كان عليه سابقاً.
والأسباب الرئيسية في هذا الأمر هي الشعور بتفاهة الحياة وعدم كونها هادفة، والشعور بعدم وجود ملجأ عند حلول المعضلات المدمّرة ورسم صورة مرعبة للموت والتشاؤم القاتل، والخوف من المستقبل المجهول للعالم وللحياة الشخصية، وممّا لا شك فيه هو أنّ الإيمان بالآخرة، والحياة الخالدة فيها التي تكتنفها العدالة والطمأنينة بإمكانه أن يُنهي كل هذا القلق.
قال البروفسور المعروف «يونغ»: إنّ ثلثي المرضى الذين قدموا اليّ من جميع انحاء العالم للعلاج هم أفراد مثقفون وموفقون في حياتهم لكنّهم يعانون من مرضٍ خطير وهو الشعور بتفاهة الحياة، والسبب في ذلك هو أنّ إنسان القرن العشرين بسبب التقدّم التقني وقصور الرؤية والتعصّب، فقد الدين فعاد يبحث عن هويته ومالم يعثر على دين فإنّه سوف لن يهدأ، «وذلك لأنّ فقدان الدين يؤدّي إلى تفاهة الحياة وفقدانها لمفهومها» [١]!
وهنا نلجأ إلى القرآن ونطلب منه العون: ففي سورة يونس نلاحظ إشارة لطيفة في هذا المجال في قوله تعالى: «الَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ...* لَهُمُ البُشرَى فِى الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفى الاخِرَةِ». (يونس/ ٦٢- ٦٤)
أجل إنّ هؤلاء تعلّقت قلوبهم باللَّه والتحقوا بركب الأولياء في هذا الوجود، واعتبروا
[١] معاد از نظر روح وجسم، ج ١، ص ٤٤.