نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٦ - الاعتقاد بالمعاد خلال العصور المختلفة
وِزْرَ اخْرَى». (النجم/ ٣٨)
سلك مشاهير المفسرين عدّة طرق تحتاج أغلبها إلى التقدير في الآية وقالوا: إنّ المراد من إثمي هو إثم قتلي.
لكن المناسب عدم التقدير، والمراد في الآية هو: إنّك إن عملت بتهديدك هذا وقتلتني فإنّك سوف تحمل ثقل جميع ما ارتكبته أنا من إثم، وذلك لأنّك يجب أن تدفع غرامة قتلي يوم القيامة وبما أنّك لم تعمل صالحاً في الدنيا فعليك أن تحمل عبءَ ذنوبي غرامة فعلك!
وقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير هذه الآية ما يؤيد هذا المعنى، قال عليه السلام: «من قتل مؤمناً متعمداً أثبت اللَّه على قاتله جميع الذنوب وبرئ المقتول منها، وذلك قول اللَّه عزوجل: «انِّى ارِيدُ أَنْ تَبُوأَ بِإثْمى وَإِثمِكَ فَتَكُونَ مِنْ اصْحَابِ النَّارِ»» [١].
وروي عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله ما يعزز هذا المعنى (وإن لم تكن الرواية واردة في تفسير هذه الآية)، قال صلى الله عليه و آله: «يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم فيؤخذ من حساب الظالم فتراهُ في حسنات المظلوم، حتى يُنتصف، فإن لم تكن له حسنات اخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه» [٢].
والآية الرابعة تشير إلى عصر نوح عليه السلام، فقد نقل القرآن دعوته على لسان الكافرين والجاحدين، قال تعالى: «ايَعِدُكُمْ انَّكُمْ اذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً انَّكُمْ مُّخْرَجُونَ».
ويدل هذا التعبير بوضوح على أنّ نوح عليه السلام قد طرح على هؤلاء مسألة المعاد وبالأخص المعاد الجسماني- وقد ملأت دعوته آذان جميع المخالفين، وبسبب انحطاطهم الفكري بهتوا لماجاءهم وقالوا محدثين بعضهم البعض: «هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ».
ويستفاد بوضوح من الآيات الواردة في سورة نوحٍ أيضاً أنّ نوحاً عليه السلام حاول رفع
[١] تفسير نور الثقلين، ج ١، ص ٦١٣، ح ١٣٣.
[٢] تفسير القرطبي، ج ٣، ص ٢١٣٤.