نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٥ - إن شككتم بأمر القيامة فانظروا إلى الجنين!
لكن عند مراجعة هذا التعبير: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِىءُ النَشْأَةَ الْآخِرةَ». (العنكبوت/ ٢٠)
و ما شابه هذا التعبير في آيات اخرى من القرآن يتضح لنا جليّاً أنّ المراد من النشأة الآخرة يوم القيامة، حيث قال تعالى: «وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّروُنَ».
(الواقعة/ ٦٢)
وفي الآية الرابعة وردت هذه الحقيقة أيضاً وبشكل آخر وبصورة اجمل واوجز واوضح، قال تعالى: «قُتِلَ الْإِنسَانُ مَااكْفَرَهُ* مِنْ أَىِّ شَىءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدّرَهُ* ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ* ثُمَّ أَمَاتَهُ فَاقبَرَهُ* ثُمَّ إذا شَاء أَنْشَرَهُ».
أشارت هذه الآيات أولًا إلى خلق الإنسان من نطفة، ثم أشارت إلى تكامل الجنين إشارة مبهمة، بعد ذلك أشارت إلى مسألة الموت، ثم إلى الحياة بعد الموت، أمّا العلاقة والرابطة الموجودة بين هذه المسائل فهي إمكان الاستدلال بكل واحد من هذه الامور على إثبات الأمر الآخر.
وهنا توجد عدّة امور تجلب الانتباه:
١- إنّ جملة «خلقهُ فقدّره» جملة عميقة المغزى، فقد صُبّت فيها جميع مراحل تطورات الجنين في مرحلة الحمل، فالتقدير في أصل وجوده، وفي أعضاء بدنه، وفي تركيب أجزائه، وفي احتياجاته المتعددة وفي الفواصل الزمانية المختلفة التي عليه أن يقطعها للوصول إلى مراحل تكامله، إنّ اللَّه تعالى قدّر كل ذلك له، ووضع له نظاماً متقناً.
بناءً على هذا جيء بجملة «خلقه» للدلالة على المرحلة الاولى لخلق الإنسان من النطفة وبجملة «قدّرهُ» للدلالة على جميع المراحل التي تلي فيما بعد.
٢- وجملة «ثُمَّ السَبِيلَ يَسّرَهُ» أيضاً من الجمل العميقة المغزى ومن الجمل الجذّابة التي يمكن أن تكون دليلًا على الامور الآتية:
تسهيل طريقِ الولادة أمامه بعد خوض مراحل التكامل، فالجنين الذي يكون رأسه إلى