نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٦ - الخلق الثابت والراسخ
ومن أجل التعليل أو التشجيع على هذا الأمر تقول الآية بعد ذلك: «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» [١].
وبما أنّ الإنسجام والتنسيق بين (التشريع) و (التكوين) يعتبر من المسلمات حيث لا يمكن وجود أمر متأصّل في خلق الإنسان غير منسجم مع سلوكه، فيمكن أن يكون هذا التعبير دليلًا على وجوب العمل بأصل التوحيد ونفي كلّ شرك.
وللمزيد من التأكيد تقول الآية بعد ذلك: «لَاتَبْديلَ لِخَلْقِ اللَّهِ».
وهذا يعني أنّ ما يتجذّر في أعماق الوجود الإنساني يستمرّ كأصل ثابت وراسخ- وسوف يتضح لنا بأنّ لهذه الجملة معنى غزير واعجازي، حيث تشير الدراسات الحديثة التي يجريها المفكّرون إلى أنّ العلاقات الدينية هي من أشدّ العلاقات الإنسانية تجذّراً ورسوخاً وبقاءً على مر التاريخ.
بيد أنّ فئة جاهلة وغافلة تقوم بإفساد هذه الفطرة الطاهرة بالشرك، ولذا فإن القرآن يؤكد على المحافظة عليها بذكر كلمة (حنيفاً) [٢].
وللمزيد من التأكيد تضيف الآية: «ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ».
كلمة «قيّم» من مادة (قيام) واستقامة بمعنى الثابت والراسخ والمستقيم كما جاءت بمعنى القائم بشؤون المعاد والمعاش في الإنسان [٣].
وبما أنّ الكثير من الناس يغفلون عن هذه الحقيقة ويبتلون بأنواع من عبادة الأصنام، لذا فقد ورد في آخر الآية قوله سبحانه وتعالى: «وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ»، والجدير بالذكر أنّ الفطرة التي جاءت في الآية لا تشمل التوحيد فقط بل تشمل الدين بجميع أُصوله وفروعه وسنتطرّق إلى هذا البحث الظريف إن شاء اللَّه تعالى.
[١] توجد أقوال كثيرة حول تعليل النصب في (فطرة اللَّه) ومنها أنّها بتقدير (اتّبع) و (الزم).
[٢] يقول بعض المفسّرين بأنّ «لا» في «لَاتَبدِيلَ لِخَلقِ اللَّهِ» نافية وتعطي معنى النهي (راجع تفاسير مجمع البيان والميزان وروح الجنان) ولكن كما قلنا فإنّ النفي أنسب وأجمل (فتأمّل جيّداً).
[٣] مفردات الراغب وكتب لغوية اخرى.