نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٧ - تعدد الآلهة
آلهتهم من الحجر والخشب والمعادن وهي موجودات أرضية، فهل بإمكان هذه الموجودات أن تكون خالقة للسماوات الواسعة وأن تكون الحاكمة والمدبّرة والمديره لها؟!
ثمّ تضيف الآية في مقام الاستدلال على بطلان عقيدتهم: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا».
«فساد»: يعني في الأصل- كما يقول الراغب في المفردات: خروج الشيء عن حدّ الإعتدال كثيراً أم قليلًا، في الروح أو الجسم أو الأشياء الاخرى في العالم، ويقابله (الصلاح).
و (الفساد) هنا يعني الدمار والخراب واللانظام والهرج والمرج ....
وتضيف الآية في آخرها- كاستنتاج: «فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ».
وخلاصة الاستدلال هي: لو تعدّد المدير والمدبّر والخالق والحاكم والمتصرّف في هذا العالم فإنّ العالم لا يمكن أن يتّسم بالنظام والتناسق، وذلك لانتهاء التعدّد في الآلهة إلى تعدّد التدبير والتصرّف، وبذلك يختلّ عالم الوجود ويتعرّض للفساد والدمار حيث يريد كلّ واحد منهما تطبيق نظام العالم على مشيئته وإرادته.
وهنا يرد هذا الإشكال المعروف وهو: ما المانع من تعاضد الآلهة الحكمية فيما بينها لإيجاد نظام واحد منسجم؟ والإجابة على ذلك ستأتي في الإيضاحات بإذن اللَّه.
الآية الثالثة والأخيرة التي نبحثها تقدّم هذا البرهان في إطار جديد حيث تقول: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ».
ولو كان كذلك فإنّ كلّ إله ينفرد بمخلوقاته الخاصّة ويفرض عليها تدبيره وتصرّفه الخاصّ، وسوف تكون الأنظمة المختلفة والقوانين اللامنسجمة هي الحاكمة على العالم، وسيكون هو السبب في وانهيار الوحدة والتعادل في العالم: «إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ».
ويكفي هذا الدليل على إثبات وحدانيته تعالى حيث يتألّف من المقدّمتين المشار إليهما سالفاً وهما: إنَّ عالم الوجود منظم ومترابط الأجزاء وتحكمه قوانين معيّنة (هذا من جهة)