نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨١ - عند الاختلاف ارجعوا إلى اللَّه
القضاء يوم القيامة.
وقال البعض: إنّ الحكم هنا له جانب تشريعي فقط، غير أنّ الإطلاق هو الظاهر من الآية ويشمل كلّ حكم في عالم الوجود وعالم الشريعة والدنيا والآخرة.
أمّا المراد من (الوجه) في العبارة: «كُلُّ شَىءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» فإنّ البعض فسّره بمعيّة الأعمال الصالحة التي تنجز للَّهتعالى، فيما فسّره البعض الآخر بمعنى الدين والقانون، والبعض الآخر بمعنى مقام الربّ.
ولكنّا نعلم أنّ (وجه) يعني في الأصل (الصورة) وكما يقول الراغب: أنّ الوجه هو أوّل ما يواجه الأشخاص الآخرين وهو أشرف الأعضاء في الإنسان، ولذا اطلقت هذه الكلمة على الموجودات الشريفة، وبهذه المناسبة يطلق على ذات اللَّه المقدّسة وقد استعملت بهذا المعنى في الآية ظاهراً.
وبما أنّ كلّ موجود يرتبط بهذه الذات الباقية والأبدية، فانّه يتلوّن بلون الأبدية فإنّ دين اللَّه وشريعته والأعمال المنجزة من أجله والأنبياء تكون خالدة وباقية لارتباطها باللَّه تعالى، وبهذا تجتمع التفاسير المذكورة في مضمون الآية.
عند الاختلاف ارجعوا إلى اللَّه:
الآية التاسعة ترى (الحاكمية) بمعنى القضاء حيث تقول: «وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَىءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ».
أجل، إنّه وحده القادر على رفع الاختلاف فيما بينهم لأنّه عالم بكلّ شيء وله الولاية على الجميع.
وتضيف الآية: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّى عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيْهِ انِيبُ».
وهناك أقوال عديدة في تفسير هذه الآية، فالبعض اعتبرها ناظرة إلى الاختلافات والخصومات بين الناس الذين وجَبَ عليهم الإحتكام إلى النبي صلى الله عليه و آله، فيما اعتبرها البعض الآخر إشارة إلى الاختلاف في تأويل الآيات وتفسيرها، في حين اعتبرها آخرون ناظرة إلى الاختلاف في العلوم المرتبطة بالمفاهيم الدينية والتكاليف وواجبات الناس مثل معرفة الروح وأمثالها [١].
[١] نقلت هذه التفاسير الثلاثة عن المفسّرين في تفسير روح المعاني، ج ٢٥، ص ١٥.