نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٥ - هل تمتلكون دليلًا على الشرك؟!
وهذه الآية تعطي- في الحقيقة- مفهوم الآية التالية حيث خاطبه تعالى بقولِهِ: «فَاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الكِتَابَ مِن قَبلِكَ». (يونس/ ٩٤)
وقد احتمل هذا أيضاً وهو: أنّ المراد هو مراجعة كتبهم المتبقّية في اممهم، فإنّ استخراج القضايا منها بمثابة السؤال عن اولئك الأنبياء.
وقال جماعة أيضاً: إنّ المراد هو سؤال النبي صلى الله عليه و آله من أرواح الأنبياء عليهم السلام السابقين ليلة المعراج بل في غير ليلة المعراج، لأنّ روح نبي الإسلام صلى الله عليه و آله من العظمة ما لا يعيقها البعد الزمني والمكاني فكان بإمكانه أن يتّصل بأرواح الأنبياء السابقين.
وبما أنّ الهدف الرئيس من الآية هو الاستدلال أمام المشركين، فقد كان المعنى الأوّل والثاني هو المناسب وذلك لأنّ الإرتباط المعنوي للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله مع أرواح الأنبياء السابقين لم يتقبّله المشركون وكان مفيداً للنبي صلى الله عليه و آله نفسه، وإنّا نعلم أنّ إيمان النبي بالتوحيد كان بدرجة لا يحتاج فيها إلى طرح مثل هذا السؤال نفسه.
والتفسير الثالث يمكن أن يكون من التفسير الباطني للآية وقد تضمّنت روايات متعدّدة الإشارة إلى ذلك [١].
على كلّ حال فإنّ المراد هو أنّ دعوة نبي الإسلام صلى الله عليه و آله إلى التوحيد ليس أمراً جديداً أو عجيباً بل أمر قد اتّفق عليه جميع الأنبياء الإلهيين وهذا بنفسه دليل واضح على قضيّة التوحيد.
والاستناد إلى الاسم المقدّس (الرحمن) في هذه الآية إشارة إلى أنّ من يستحقّ العبودية هو الإله الذي تشمل رحمته العامّة حتّى الكافرين المشركين والبشر جميعاً، فكيف يمكنهم أن يتركوا ولي نعمتهم الذي غمرهم إحسانه ويتوجّهوا إلى الأصنام الخاوية؟
هل تمتلكون دليلًا على الشرك؟!
إنَّ الآية الثالثة والأخيرة ضَمَّت الدليل النقلي المذكور إلى جانب دليل عقلي آخر إذ
[١] تفسير البرهان، ج ٤، ص ١٤٧؛ تفسير نور الثقلين، ج ٤، ص ٦٠٦- ٦٠٧.