نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٠ - ٢- إيضاح برهان الصدّيقين
(الصدّيقين) الذين يستشهدون به (تعالى) عليه، ثمّ يستشهدون بذاته على صفاته وبصفاته على أفعاله، واحداً بعد واحد، وغير هؤلاء (كالمتكلّمين، والطبيعيين وغيرهم) يتوسّلون إلى معرفته (تعالى) وصفاته بواسطة إعتبار أمر آخر غيره (كالإمكان للمهيّة، والحدوث للخلق، والحركة للجسم، أو غير ذلك) وهي أيضاً دلائل على ذاته، وشواهد على صفاته، لكن هذا المنهج أحكم وأشرف.
وقد اشير في الكتاب الإلهي إلى تلك الطرق بقوله (تعالى): «سَنُرِيهِم آيَاتِنَا فِى الافَاقِ وَفِى أَنفُسِهِم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ» وإلى هذه الطريقة بقوله (تعالى): «أَوَ لَم يَكفِ بِرَبِّكَ انَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ شَهِيدٌ».
ثمّ يضيف: وذلك لأنّ الربّانيين ينظرون إلى الوجود، ويحقّقونه ويعلمون أنّه أصل كلّ شيء، ثمّ يصلون بالنظر إليه إلى أنّه بحسب أصل حقيقته واجب الوجود، وأمّا الإمكان والحاجة والمعلولية وغير ذلك فإنّما تلحقه لا لأجل حقيقته بما هي حقيقته، بل لأجل نقائص وأعدام خارجة عن أصل حقيقته» [١].
وباختصار عند ملاحظة الوجود الحقيقي نجد أنّه لا يجتمع مع العدم أبداً، ولا يسمح للعدم أن يتطرّق إليه وذلك لأنّ الوجود والعدم متقابلان، وهكذا إذا لاحظنا العدم فإنّا نجده يطرد الوجود عن ذاته، وعليه فإنّ حقيقة الوجود واجبة الوجود، والعدم ممتنع الوجود.
والإشكال المهمّ الذي يتبادر إلى الذهن والذي بادر صدر المتألّهين للإجابة عنه في الأسفار هو أنّ كلّ موجود- وفق هذا الاستدلال- يجب أن يكون واجب الوجود، لأنّ هذا الاستدلال يجري في كلّ مورد في حين نرى أنّ الممكنات حادثة وليست أزلية ولا أبدية ولا واجبة الوجود.
الإجابة: لابدّ من الإلتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ الوجودات الممكنة ليست وجودات أصيلة، بل هي وجودات محدودة ومصحوبة بالعدم وهذا العدم ناشيء من محدوديتها، وما
[١] راجع الأسفار، ج ١، ص ١٥ (بتلخيص يسير)، كما ورد نظير هذا المعنى في حاشية الأسفار للمحقّق السبزواري، ج ٨، ص ١٤.