نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٠ - ٢- الحقيقة اللامتناهية واحدة قطعاً
تنتهي إلى نقطة ثابتة وأزلية نسمّيها واجب الوجود، أي وجوده ناشيء من أعماق ذاته لا خارجها، وعليه تكون العلّة الاولى للكون تقتضي الوجود ذاتاً.
أعِد قراءة هذه المقدّمات الثلاث بدقّة وفكّر فيها جيّداً، فسوف يتّضح أنّ واجب الوجود إذا تحدّد فإنّه يجب أن يكون من الخارج، لأنّ المحدودية طبق هذه المقدّمات تعني الاقتران بالعدم، والشيء المقتضي للوجود ذاته لا يقتضي العدم أبداً، ولو اتّصف بالمحدودية فإنّه راجع إلى عامل خارجي، ويستلزم هذا القول أنّه ليس واجب الوجود لأنّه مخلوق لغيره من حيث حدّه الوجودي ومعلول لغيره.
وبعبارة اخرى: لدينا واجب الوجود دون شكّ (لأنّ البحث في التوحيد والوحدانية بعد إثبات واجب الوجود) فإن كان واجب الوجود غير محدود فمدّعانا ثابت، وإن كان محدوداً فإنّ هذه المحدودية ليست مقتضى ذاته أبداً، لاقتضاء ذاته الوجود دون اقتران بالعدم، فلابدّ من فرضه عليه من الخارج، ومفهوم هذا الكلام هو وجود علّة خارج ذاته وهو معلول تلك العلّة، وبهذا الحال لا يكون واجب الوجود، والنتيجة هي أنّه وجود غير محدود من كلّ جهة.
٢- الحقيقة اللامتناهية واحدة قطعاً
ثبت في البحث السابق أنّ اللَّه عزّ وجلّ وجود غير محدود وغير متناهٍ، وهنا نقول: أنّ مثل هذه الحقيقة تأبى الإثنينية ولا تكون إلّاواحدة لما قلنا مراراً أنّه لا يمكن تصوّر شيئين غير محدودين أبداً، حيث تقترن الإثنينية بالمحدودية دائماً وهذا أمر واضح لأنّ تصوّر الوجودين ممكن حينما يكون كلّ وجود منفصلًا عن الآخر، فكلّ واحد ينتهي عند الوصول إلى الثاني ويبدأ الآخر.
واختبار هذا الأمر يسير، تصوّر على سبيل المثال ضوءاً غير مقيّد أو مشروط بزمان أو مكان أو سعة أو مصدر وغير محدود من أيّة جهة، فهل يمكنك أن تتصوّر ضوءاً ثانياً مثيلًا له؟! فبالتأكيد سيكون الجواب: كلّا، لأنَّ كلّ ما تتصوّره هو الأوّل إلّاأن تضيف إليه شرطاً أو قيداً وتقول: الضوء هنا أو هناك من هذا المصدر أو ذاك.