نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤١ - خالقية اللَّه للكون
ولا شكّ في أنّ الآية دليل على انحصار (الخلق) و (الأمر) في اللَّه عزّوجلّ [١]، وعليه فإنّ الآية تبيّن (توحيد الخالقية) بوضوح.
ولكن وقع بين المفسّرين كلام حول المراد من (الأمر)، فبعض فسّره بمعنى تدبير العالم والأنظمة والقوانين الجارية وذلك بقرينة الآيات الكثيرةالتي ورد فيها هذا المعنى نظير «فَالْمُدَبِّراتِ أَمراً». (النازعات/ ٥)
والآية: «اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجرِىَ الْفُلكُ فِيهِ بِأَمرِهِ». (الجاثية/ ١٢)
الآية: «النُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِامرِهِ». (النحل/ ١٢)
وآيات عديدة اخرى.
أمّا بعضهم الآخر فقد اعتبرها بمعنى الأمر التشريعي والدستور الإلهي المقابل للنهي، فيكون معنى الآية: أنّ الخلق خاصّ باللَّه والأمر والدستور التشريعي يصدر عنه أيضاً، مثل:
«فَليَحذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن امرِهِ». (النور/ ٦٣)
وفي تفسير ثالث فُسّر (الأمر) بمعنى الإرادة مثل: «انَّ اللَّهَ بِالِغُ امرِهِ». (الطلاق/ ٣)
وفي تفسير رابع فسّر عالم (الخلق) بعالم المادّة، وعالم (الأمر) بعالم المجرّدات وذلك بقرينة قوله تعالى: «يَسالُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرّوحُ مِن امرِ رَبِّى». (الاسراء/ ٨٥)
والواضح أنّ التفسير الأوّل من بين هذه التفاسير أكثر انسجاماً مع الآيات القرآنية الاخرى ومع آية البحث أيضاً، لأنّ القرآن الكريم يريد أن يذكّر المشركين بهذه الحقيقة، وهي أنّ الخلق وتدبير المخلوقات مختصّ باللَّه والشاهد على ذلك قوله: «رَبُّ الْعَالَمِينَ» في ذيل الآية، وعليه فإنّ الأصنام لا دور لها لا في الخلق ولا في التدبير والربوبية، فلماذا تعبد إذن؟!
[١] تقديم (له) على الخلق والأمر دليل على الحصر.