نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٤ - دعوة الأنبياء العامّة إلى اللَّه الواحد
جمع الآيات وتفسيرها
دعوة الأنبياء العامّة إلى اللَّه الواحد:
إنَّ الآية الاولى في بحثنا هذا تشير إلى تاريخ الماضين من الأنبياء وتقول: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِى إِلَيهِ أَنَّهُ لَاإِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ».
أجل فإنّ الأنبياء عليهم السلام جميعاً كانوا ينادون بالتوحيد ويدعون الناس إلى اللَّه الواحد ويشهد تاريخهم بهذا الأمر، فكيف يعقل أن يكون للشرك حقيقة وجميع الأنبياء يدعون إلى التوحيد؟!
فهل كان هناك إله آخر ولكنّه لم يعرّف نفسه؟ أو أنّ الرسل قصّروا في إبلاغ أمره؟ والعقل السليم لا يُقرّ بقول من هذه الأقوال.
وكما يقول بعض المفسّرين: يقوم القرآن الكريم في آيات هذه السورة (الأنبياء) بالاستدلال العقلي أوّلًا لإثبات التوحيد: «لَو كَانَ فِيهِمَا آلهةٌ إِلَّا اللَّهُ ...»، ثمّ بالدليل النقلي (آية البحث) حيث دعا جميع الأنبياء الماضين إلى التوحيد [١].
أمّا الآية الثانية فهي: تطرح هذا المضمون في إطار آخر حيث تخاطب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله (المراد هم الناس طبعاً) وتقول: «وَاسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ منْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحمنِ آلِهَةً يُعْبَدوُنَ».
وقد احتمل المفسّرون عدّة احتمالات في كيفية أمر الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله بأن يسأل الأنبياء السابقين مع عدم حضور أحدهم في عصره، فقد قال البعض: إنّ المراد هو السؤال من الامم السابقة كي تثبت القضيّة عن طريق الخبر المتواتر، فالامم حتّى التي تعتقد بالتثليث وأمثاله، عندما تسأل عن ذلك فإنّها تعلن عن اعتقادها بالتوحيد وتعبِّر عن ذلك ب (التثليث في الوحدة).
[١] تفسير القرطبي، ج ٦، ص ٤٣٢٠.