نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٢ - دعني أرى اللَّه في السماء!
والمراد من (سلطان مبين) هنا هي الحكومة التي أعطاها اللَّه عزّوجلّ لموسى عليه السلام فقد غلب المعارضين من الناحية الظاهرية ومن الناحية المنطقية والاستدلالية، ويعتقد بعض المفسّرين كالطبرسي في مجمع البيان بأنّ النصر هنا من الناحية المنطقية فقط [١].
دعني أرى اللَّه في السماء!
في الآية الثالثة مقالة تفوّه بها فرعون في هذا الشأن، وهي توضّح أفكار الشعب المصري آنئذ، فقد ألقى هذه المقالة في عصر كان لإسم موسى وانتصاره على السحرة صداه في مصر بأسرها، ولمّا شعر فرعون بخيبة أمل شديدة رأى أن يعمل شيئاً يصرف به أنظار الناس عن موسى عليه السلام ومعجزاته: «وَقَالَ فِرعَونُ يَاأَيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمتُ لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيرِى» [٢]، ولذا أرى أنّ دعوة موسى إلى ربّ السماء والأرض خاطئة، وبما أنّي من أهل التحقيق، فقد خطر ببالي شيء يظهر به صدق موسى أو كذبه، قم ياهامان: «فَاوقِدْ لِى يَاهَامَانَ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِّى صَرْحاً لَّعلّى أَطَّلعُ إِلَى إِلَهِ مُوسى» [٣]، «وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ».
ولا شكّ أنّ فرعون كان شديد المكر والدهاء وهو يدرك هذه القضايا الواضحة وهي أنّه ليس إلهاً، وأنّ مايقصده موسى من إله السماء، هو خالقه لا أنّ اللَّه يسكن السماء حقيقة، ولو تجاوزنا هذا الأمر وافترضنا أنّ اللَّه يسكن السماء فإنّه لا يمكن الوصول إليه ببناء برج عالٍ، فمنظر السماء من على قمم الجبال في العالم هو المنظر الذي يشاهد من فوق سطح الأرض، ولم تخف هذه القضايا علىفرعون.
ولكن فرعون كان يفكّر في مخطّط آخر وأراد صرف الرأي العامّ الذي مال إلى موسى بشدّة وذلك بطرح هذه القضيّة المثيرة، كما أرادَ أن يشغل مجموعة من الناس ولمدّة طويلة
[١] تفسير مجمع البيان، ج ٣، ص ١٣٤.
[٢] يقول اللغويون في تفسير «ملأ»: يطلق هذا اللفظ على جماعة قد اجتمعوا على عقيدة واحدة وظاهرهم يملأالعيون (من مادّة ملأ) ومن هنا يستعمل هذا اللفظ بمعنى أشراف القوم ورؤسائهم وحواشي الملوك أيضاً.
[٣] «صرح»: في الأصل تعني الخلو من الشوائب ثمّ تطلق على القصور والبيوت العالية والجميلة لأنّها بلغت من الكمال في بنائها إلى درجة لا يوجد فيها عيب أو نقص.