نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥ - ٢- إيضاح برهان العلّية
باطلة، لأنّ الحادث إن لم يحتج إلى علّة فإنّ كلّ موجود يجب أن يوجد في كلّ زمان وأي ظرف، في حين نرى بوضوح أنّ الأمر ليس كذلك، حيث يحتاج كلّ حادث لحدوثه إلى توفّر الشرائط والظروف الخاصّة.
وهكذا بطلان الفرضية الثانية وهي (أن يكون الشيء نفسه علّة لوجوده) يعتبر أمراً بديهياً، لأنّ العلّة يجب أن تكون قبل المعلول ولو كان الشيء علّة لنفسه فلابدّ أن يكون موجوداً قبل وجوده ممّا يستلزم اجتماع (الوجود) و (العدم) وهو ما يطلق عليه بالمصطلح العلمي (الدور).
وهكذا بالنسبة لبطلان الفرضية الثالثة، حيث يكون معلول الشيء علّة لوجوده، وهو أمر واضح لا يحتاج إلى توضيح.
وأمّا بطلان الفرضية الرابعة التي تعني استمرار سلسلة العلل والمعلولات إلى ما لا نهاية فانّه بحاجة إلى إيضاح: (التسلسل) يعني استمرار سلسلة العلل والمعلولات إلى ما لا نهاية وهذا باطل عقلًا لأنّ كلّ معلول يحتاج إلى علّة، ولو إستمرّت هذه السلسلة إلى ما لا نهاية ولم تنته بواجب الوجود فانّه يعني أنّ مجموعة من ذوات الحاجة غير محتاجة، في حين أنّ ما لا نهاية من الفقراء والمحتاجين محتاجون حتماً.
فلو تراكمت ما لا نهاية من الظلمات لا تتحوّل إلى (نور)، وما لا نهاية من (الجهل) لا يكون (علماً)، وما لا نهاية من (الأصفار) لا يكون (رقماً).
لابدّ إذن من انتهاء سلسلة العلل والمعلولات إلى موجود يحتاج شيئاً آخر .. وجود مستقلّ وغني، وجوده من ذاته، وبعبارة أصحّ أن يكون عين الوجود والوجود المطلق.
وممّا ذكر نستنتج أنّ وجود الممكنات والحوادث في العالم لابدّ أن ينتهي بوجود واجب أزلي نسمّيه (اللَّه) سبحانه وتعالى.