نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩ - حاجة الجميع إلى اللَّه
على أيّ حال فإنّ من الملفت أنّه هو الذي تفضّل بالهبات كلّها ووهبها للعباد ثمّ يطلب منهم أن ينفقوا في سبيل اللَّه، وهذه مقدّمة لهباتٍ أكبر.
ولا ينحصر هذا في قضيّة الإنفاق فحسب، بل يجري في كلّ التكاليف وتعود بنتائجها على العباد أنفسهم.
وقد جاء هذا المضمون في آيات عديدة منها ما تضمّنته هذه الآية حيث نقرأ: «قُلْ مَا سَأَلتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلىَ اللَّهِ». (سبأ/ ٤٧)
وكما جاء في قوله تعالى: «وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّما يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌ عَنِ العَالَمِينَ».
(العنكبوت/ ٦)
والآية الثالثة والأخيرة من بحثنا تُصوِّر هذا المضمون (الفقر العامّ للموجودات والغنى المطلق لله) في حُلّة جديدة وجميلة وتقول: «يَسئَلُهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ».
وكلّ يوم هو في شأن ومنح مواهب جديدة: «كُلَّ يَومٍ هُوَ في شَأْن».
وبملاحظة الفعل المضارع (يسأل) والذي يدلّ على الاستمرار، وملاحظة ما للآية من معنى واسع يشمل البشر جميعاً والملائكة وسكنة السماء والأرض (وباحتمال قوي يشمل كلّ الموجودات العاقلة وغير العاقلة، والتعبير ب (من) الذي يستعمل للعاقل هو للتغليب) وملاحظة أنّ الآية لم تذكر الموضوع المسؤول عنه فيدلّ ذلك على شمولية الآية، وسيكون مفهوم الآية هو أنَّ كلّ الموجودات في عالم الخليقة تستمدّ الفيض من مبدأ الفيض بلسان حالها بصورة دائمة ومستمرّة، (فيض الوجود ومتعلّقاته).
وليس هذا الطلب من ذات ممكن الوجود في حالة الحدوث فحسب، بل في البقاء أيضاً يكون محتاجاً إلى واجب الوجود وفي كلّ لحظة يطلب منه الوجود.
وقد ورد هذا المعنى بتعبير واحد تقريباً في تفسير (روح البيان) و (روح المعاني) حيث جاء فيهما «.. قاطبة ما يحتاجون إليه في ذواتهم ووجوداتهم حدوثاً وبقاءً وسائر أحوالهم