نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧ - إبراهيم عليه السلام يواجه عبدة الأصنام بمنطق قوي
ولكن بانتهاء النهار وسقوط الشمس في جوف الليل المظلم واختفاء صورتها خلف حجاب الغروب، نادى إبراهيم عليه السلام: «يَاقَومِ إِنِّى بَرىِءٌ مِّمَّا تُشرِكُونَ».
لقد فهم إبراهيم عليه السلام من خلال مشاهدته لغروب الشمس وأفول النجم وغياب القمر، بأنّ كل ما رأى ما هي إلّامخلوقات خاضعة لقوانين الخلقة كالأفول والغروب والتغيير، وفهم بأنّ هناك قوّة خفية لا يعتريها التغيير والغروب والافول أبداً، وهذه القوة تتمثل بالذات الإلهيّة المقدّسة.
وقال: إنّي وَجّهتُ وجهي إلى مَن خلق السماوات والأرض، ولا أُذعن للشرك أبداً، إنّي موحّد كامل التوحيد وعابد وعبد مخلص: «إِنِّى وَجَّهتُ وَجهِىَ لِلذَّى فَطَرَ السَّمَاواتِ وَالأَرضَ حَنيفاً وَمَا أَنا مِنَ المُشرِكيِنَ».
هل وقعت الحوادث الثلاثة في ليلة واحدة أم في ليلتين؟
قال بعض المفسّرين- نظراً لعجزهم عن تصوّر وقوعها في ليلة واحدة- أو في ليلتين، فقد قالوا إنّ ظاهر الآيات يدل على أنّها تعاقبت في ليلة واحدة ونهار واحد وهذا ممكن تماماً، لأنّ كوكب الزهرة يظهر منتصف الشهر وبوضوح في أوّل الليل ثمّ يأفل سريعاً، ثمّ يظهر القمر بدراً من افق الشرق [والتعبير ب (بازغ) يدلّ على أنّ القمر كان بدراً أو قريباً منه] وعندما يختفي القمر في افق الغروب لا تلبث الشمس حتّى تشرق، وبهذا الترتيب تكون الوقائع الثلاث قد حصلت في ليلة واحدة ونهار واحد.
وهذا الأمر ليس مهماً، المهم أن نعرف هو كيف يمكن لشخص مثل إبراهيم عليه السلام وبهذه المكانة العلمية والعرفانية ومع الأخذ بنظر الاعتبار عصمة ومقام الأنبياء وحتى قبل بعثتهم، أن يجرى على لسانه مثل هذا الكلام والذي يحمل في طياته شركاً ظاهراً؟
يمكن الإجابة عن هذا السؤال بطريقين:
الأوّل: بقرينة الآيات الواردة حيث يقول: «يَاقَومِ انّى بَرىِءٌ مَّمّا تُشرِكُونَ» يُفهم أنّه كان