نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣١ - النور الوهّاج في الظلمات
وأذاقها حلاوة اللطف والرحمة فإنّها ستبقى شاكرة ومدينة ورهينةً للطفه، ولكنّها بعد الخلاص من المضائق تنسى- في الغالب- كلّ عهودها وتعهّداتها، كما يشير إلى ذلك ذيل الآية: «قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ» [١].
وكما ذكرنا فإنّ هذه الحالة هي حالة أغلب المشركين، وأمَّا الفئة التي لها قابلية أكبر فإنّها تتيقّظ بصورة دائمة وتبصر طريقها وتهجر الشرك.
من مجموع الآيات التي ذكرت تظهر هذه الحقيقة وهي: أنّ القرآن الكريم لا يعدّ غريزة المعرفة الإلهيّة في الإنسان أمراً فطريّاً وحسب بل يعتبر الإيمان بوحدانيته من الامور الفطرية أيضاً، وبما أنّ الفطرة الأصيلة في الإنسان تتعرّض في الغالب إلى حجاب الرسوم والعادات والأفكار المنحرفة والتعاليم المغلوطة فينبغي انتظار تلك الساعة التي تزول فيها هذه الحجب، من هنا فإنّ القرآن يشير إلى لحظات حسّاسة في حياة الإنسان وذلك عندما تزول الحجب بواسطة عواصف الأحداث ويبقى الإنسان وفطرته وصريح وجدانه فيدعو حينئذٍ ربّه لوحده ويزول عنه ما سواه، ويدلّ هذا جيّداً على أنَّ عبادة الواحد والتوحيد مستودعة في أعماق روحه، وفي هذا المجال مرّت بحوث تكميلية اخرى في أوّل الكتاب في بحث الفطرة والمعرفة الإلهيّة.
[١] «الكرب» يعني الغمّ والهمّ الشديد.