نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٣ - عهد عالم الذرّ
هذه الآيات تكشف عن حقائق بصورة إجمالية، منها:
١- أنّ اللَّه تعالى أظهر جميع ذرّية آدم إلى يوم القيامة في مرحلة واحدة من الخلق.
٢- أنّ اللَّه سبحانه أشهدهم على أنفسهم وأخذ الإقرار منهم بربوبيته.
٣- الهدف من أخذ الإقرار والإعتراف والشهادة لأمرين:
أوّلًا: عدم السماح للمشركين لادّعاء الغفلة والجهل عن حقيقة التوحيد ووحدانية اللَّه يوم القيامة.
وثانياً: منعهم من اتّخاذ التقليد لآبائهم ذريعة لارتكاب المعاصي.
وأهمّ سؤال يُطرح هنا هو: متى وقع هذا (الظهور)؟ وبأيّة صورة تمّ ذلك؟ وما المراد من (عالم الذرّ)؟ وكيف تحقّق هذا الأمر؟ للأجابة عن هذا السؤال هناك ستّة آراء على الأقل، وقد أيّد كلَّ واحد منها جماعة من المفكّرين الإسلاميين:
١- طريق المحدّثين وأهل الظاهر، حيث يقولون: إنّ المراد هو ما ورد في بعض الأحاديث من أنّ ذريّة آدم بأجمعهم قد خرجوا من ظهره على شكل ذرّات دقيقة وملأت الفضاء وكانت تتمتّع بالعقل والإحساس والقدرة على النطق، فخاطبهم اللَّه عزّوجلّ وسألهم: (ألست بربّكم؟) فقالوا جميعاً: (بَلى)؛ وبذلك أخذ العهد الأوّل على التوحيد، وكان بنو الإنسان بأنفسهم شاهدين على ذلك [١].
٢- المراد من عالم الذرّ وتفسير الآية أعلاه هو الذرّات الاولى لوجود الإنسان، أي النطفة التي انتقلت من ظهور الآباء إلى أرحام الامّهات وتبدّلت في المراحل الجنينية إلى صورة إنسان كامل تدريجياً، وقد أعطاها اللَّه عزّوجلّ في ذلك الحال القوى والقابليات المختلفة كي تدرك حقيقة التوحيد ومنهاج الحقّ، وقد جعل هذه الفطرة التوحيدية ملتحمة بوجوده.
[١] يقول العلّامة المجلسي رحمه الله في شرح أصول الكافي (مرآة العقول، ج ٧، ص ٣٨) عن هذه الحقيقة: (طريقة المحدّثين والمتورّعين فانّهم يقولون نؤمن بظاهرها ولا نخوض فيها، ولا نطرق فيها التوجيه والتأويل)؛ والفخر الرازي ينسب ذلك إلى المفسّرين والمحدّثين تفسير الكبير، ج ١٥، ص ٤٦.