نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٢ - اللَّه سبحانه وتعالى ربّ العالمين
الآية الرابعة تتحدّث عن ربوبية اللَّه للعرش ولكنّها تبدأ بحاكمية اللَّه وتقول: «فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ».
وهذه جملة تكمّل ما ورد في الآية السابقة لها وفيها: «أَفَحَسِبْتُم انَّمَا خَلَقنَاكُم عَبَثاً وَانَّكُم الَينَا لَاتُرجَعُونَ». (المؤمنون/ ١١٥)
ويستفاد منها بأنّه لولا المعاد والقيامة فإنّ خلق الإنسان يكون عبثاً، لأنّ الحياة لعدّة أيّام في الدنيا ليست هدفاً سامياً للخلق وهذا من الدلائل المهمّة للمعاد، سيكون لنا حديث مفصّل عنها في بحث المعاد بإذن اللَّه.
ثمّ تضيف الآية: «لَاالهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ العَرشِ الْكَرِيمِ».
«ملك»: يعني الحاكم والمالك، ولا يصدق ذلك بمعناه الحقيقي إلّافي اللَّه سبحانه لأنّه من شؤون الخالقية ومستلزماتها ولعدم وجود خالق سواه فانّه لا مالك ومَلك غيره.
ولذا تصفه الآية بعبارة (الحقّ)، ثمّ تحصر المعبود فيه لأنّ العبادة تليق بالملك الحقّ وتكمل ذلك بوصفه ب «رَبُّ العَرشِ الْكَرِيمِ»، هذه الصفات الأربع جاءت لدعم عقيدة المعاد والقيامة الواردة في الآيات السابقة.
«العرش الكريم»: إشارة إلى عالم الوجود كلّه، لأنّ العرش يعني كرسي السلاطين العالي، وكرسي الحكومة الإلهيّة كناية عن مجموعة عالم الخلق وعلى هذا ينسجم مع جملة: «رَبُّ كُلِّ شَيءٍ» التي جاءت في الآيات السابقة، واتّصاف العرش ب (الكريم) الذي يعني الشريف والمفيد والجيّد بسبب أنّ كرسي الحكومة الإلهيّة مصداق كامل لهذه الصفات.
ولكن بعضاً اعتقد أنّ (الكريم) يعني الصاحب الكريم، ولأنّ هذا المعنى لا يصدق في العرش فإنّ هذه الصفة تكون لذات اللَّه المقدّسة لا العرش، في حين أنّ كريم يمكن أن يكون وصفاً لغير الموجودات العاقلة أيضاً مثل: «لَهُم مَّغفِرَةٌ وَرِزقٌ كَرِيمٌ». (الحج/ ٥٠)
أي كثير الفائدة والشريف [١].
[١] هنا أبحاث مفصّلة في معنى «العرش» في اللغة والقرآن الكريم ومنها في تفسير الأمثل، ذيل الآية ٥٤ من سورة الأعراف و ذيل الآية ٣ من سورة يونس.