نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥١ - اللَّه سبحانه وتعالى ربّ العالمين
ونعتبر المربوب ربّاً والمخلوق شريكاً للخالق، والعبد في عرض المولى؟ فأي حكم هذا؟!
وبملاحظة سعة مفهوم (شيء) الذي يشمل كلّ ما سوى اللَّه سبحانه فإنّ توحيد الربوبية في هذه الآية ظاهر بصورة كاملة فاللَّه سبحانه يأمر النبي صلى الله عليه و آله ضمن آيتين سابقتين بأن يخاطب المشركين بصراحة: «قُلْ انَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ». (انعام/ ١٦٢)
لماذا أعبد غيره؟ ولماذا أسجد لغيره؟ وكيف أبقى حيّاً بذكر غيره؟ أو أموت فداءً لغيره؟
في حين أنّه وحده هو الخالق والمالك والمربّي لي.
ونرى هنا التلاحم والتآلف بين (توحيد العبادة) و (توحيد الربوبية) حيث أوجدا خليطاً مربّياً للروح [١].
في الآية الثالثة خطاب للنبي صلى الله عليه و آله أيضاً ولكن الكلام هنا جاء عن ربّ السماء والأرض والذي لا يختلف في الحقيقة عن (ربّ العالمين) و (ربّ كلّ شيء) كثيراً، وإن ذكر بعبارات مختلفة فتقول الآية: «قُلْ مَن رَّبُّ السَّماوَاتِ والْأَرْضِ»، ولأنّهم ليس بوسعهم الإدّعاء بأنّ الأصنام أو المعبودات البشرية وأمثالها مدبّرة ومربّية ومنظّمة للسماء والأرض فإنّ الآية تأمر النبي صلى الله عليه و آله مباشرة: أجب عن هذا السؤال و «قُلِ اللَّهُ».
ينبغي لك أن تهجر كلّ ما سواه وتُعرض عن غيره وتعتمد على ذاته المقدّسة فقط، واجعل قلبك مرتبطاً به وعفّر خدّك له، لأنّ جميع الموجودات لا تملك لنفسها ضرّاً ولا نفعاً فضلًا عن غيرها: «لَايَملِكُونَ لِانفُسِهِمْ ضَرّاً وَ لَانَفْعاً». (الفرقان/ ٣)
[١] «نسك» مفرد وفسّره الكثير من اللغويين بمعنى كلّ عبادة في حين فسّره البعض بمعنى الهدي ولكن لا توجد آية قرينة عليها بل إنّ ظاهر الآية يدلّ على أنّ المراد هو كلّ العبادات وعليه يكون ذكره بعد الصلاة من قبل العام بعد الخاصّ.