نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٠ - اللَّه سبحانه وتعالى ربّ العالمين
وعليه إنّ ما يقوم به الآخرون من تعليم وتربية وإنعام في زاوية من العالم فإنّ ذلك قبس من فيضه سبحانه، ومن كان مالكاً فإنّ ذلك شعاع من مالكيته المطلقة، ولذا علينا قبل أن نشكر عباده ونحمدهم ونثني عليهم يجب أن نحمد اللَّه ونشكر ذاته المقدّسة.
والفخر الرازي يقدّم شرحاً إجمالياً لِنِعَم اللَّه نظراً إلى أنّ الحمد والثناء يكون إزاء النعمة ويقول: «... ثمّ أنّ أصحاب التشريح وجدوا قريباً من ٥ آلاف نوع من المنافع والمصالح التي ذكرها اللَّه عزّوجلّ بحكمته في تخليق بدن الإنسان ثمّ إنّ من وقف على هذه الأصناف المذكورة في كتب التشريح عرف أنّ نسبة هذا القدر المعلوم المذكور إلى ما لم يعلم وما لم يذكر كالقطرة في البحر المحيط» ثمّ يذكر آثار الربوبية في بقيّة أنحاء العالم، ويقول: «إنّ هذا المجموع «مجموع نعم اللَّه» مشتمل على ألف ألف مسألة أو أكثر أو أقلّ، ثمّ إنّه تعالى نبّه على أنّ أكثرها مخلوق لمنفعة الإنسان أو كما قال تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُم مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الأَرْضِ». (الجاثية/ ١٣)
وحينئذ يظهر أنّ قوله جلّ جلاله «الحمد للَّه» مشتمل على ألف ألف مسألة أو أكثر أو أقلّ» [١].
المفسِّر المذكور تحدّث طبعاً في إطار العلوم السائدة في عصره، وبملاحظة الإكتشافات الحاصلة في عصرنا في المجالات العلمية المختلفة يتّضح صغر وتفاهة هذه الأرقام والأعداد، ففي جسم الإنسان وحده ١٠ ملايين مليار خليّة! كلّ خليّة منها تعدّ من خَدَمه ومشمولة بربوبية الخالق سبحانه وتستلزم الشكر والحمد، ولو أراد الإنسان أن يعدّ هذه الخلايا ليلًا ونهاراً فضلًا عن حمدها والثناء عليها لاحتاج إلى ٣٠٠ ألف سنة!
الآية الثانية التي تخاطب النبي صلى الله عليه و آله تقول: «قُلْ أَغَيَرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىءٍ».
كيف تريدون الإستقلال لأنفسكم عن النظام العامّ لعالم الخلق؟ فاللَّه ربّ الموجودات كلّها فكيف لا نعتقد بأنّه (ربّنا)؟ فهل من الممكن أن نجعل شيئاً تحت ربوبية اللَّه شريكاً له
[١] تفسير الكبير، ج ١، ص ٦.