نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠ - العلاقة بين الأفول والحدوث
يكتسب شيئاً فهو الكمال المطلق، وعلى ذلك فإنّ الموجودات المتغيّرة والمتحرّكة تكون ناقصة حتماً فهي إمّا تفقد كمالًا، أو أنّها تبحث عن كمال جديد، والموجود الناقص لا يمكن أن يكون واجب الوجود.
٢- الموجود المقرون ب (الافول) معرّض للحوادث، وكلّ ما كان معرّضاً للحوادث لا يمكن أن يكون قديماً وأزليّاً وواجب الوجود لاستلزامه الجمع بين (الحدوث) و (الأزلية) وبين هاتين الظاهرتين حالة من التضاد.
٣- كلّ حركة تحتاج إلى محرّك من الخارج، فإن كان ذلك المحرّك متحرّكاً فعلينا أن نبحث عن محرّك آخر حتّى نصل إلى وجود ليس فيه حركة مطلقاً.
٤- الحركة- وخاصّة الحركة نحو الافول- دليل على أنّ عالم المادّة صائر إلى الفناء [وهو أصل الكهولة و (الأنتروبي) الذي سنشيرُ إليه] وكلّ ما كان مصيره الفناء لا يكون أبديّاً حتماً، ومثل هذا الموجود لا يكون أزليّاً قطعاً، وبذلك لا يمكن أن يكون واجب الوجود.
إنَّ كلّ واحدة من هذه الاستدلالات التي ذكرت يمكن أن تكون لها القابلية على استدلال النبي إبراهيم عليه السلام بها، ويمكن أن يكون كلام إبراهيم إشارة طريفة إليها جميعاً.
ينقل (الفخر الرازي) عن بعض المحقّقين: أنّ استدلال إبراهيم من السمو والشمول ما يجعله مورداً لاستفادة الخاصّة والمتوسّطين والعوام.
أمّا الخاصّة فانّهم يفهمون حقيقة (الإمكان) من (الافول) وكلّ موجود ممكن هو بحاجة إلى خالق، وهذه السلسلة متّصلة حتّى تنتهي بالطاهر المنزّه من الإمكان ولا سبيل إلى ذاته، كما نقرأ في قوله تعالى: «وأَنَّ إلَى رَبِّكَ المُنتَهَى». (النجم/ ٤٢)
وأمّا المتوسّطون فانّهم يفهمون من الافول مطلق الحركة وأنّ كلّ متحرّك حادث وكلّ حادث محتاج إلى وجود القديم الأزلي، وأمّا العوام فانّهم يفهمون الغروب من الافول ويشاهدون الشمس والقمر والكواكب تمحى وتضمحل عند الغروب وتزول سلطتها وحكومتها، ومثل هذه الأشياء لا تصلح للُالوهية، إذن جملة: «لا احبُّ الآفِلِينَ» كلام يستفيد منه (المقرّبون) و (أصحاب اليمين) و (أصحاب الشمال) وهذا أكمل وأوضح برهان [١].
[١] تفسير الكبير، ج ١٣، ص ٥٢.