نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٢ - ٤- المكاشفات الرحمانية والمكاشفات الشيطانية
إنّهم يفرحون لهذه اللحظات كثيراً، وكأنّهم التقوا بالمراد وعانقوه، فيصرحون وتعلو أصواتهم، مما يزيد ويفاقم هذه الحالة عندهم، ثم يرمون بحالة شبيهة بالاغماء، وبعدما يصحون ويهدءون من هذه الحالة، يحكون للناس ما رأوا ظناً منهم أنّه كشف.
إنّهم في الحقيقة يسعون نحو السراب ظناً منهم أنّه ماء، ورغم عدم وصولهم إلى شيء، يبتلون بأمور بعيدة عن الحق والحقيقة.
وبعبارة مختصرة: لا يمكننا تصديق كل من ادعى الكشف والشهود، وكذا لا يمكننا اعتبار كل تمثل وكل نداء إلهياً واقعياً، وذلك لأنّ هناك كشفاً شيطانياً.
وقد جاء في حديث للإمام علي عليه السلام مع الحسن البصري: أنّ الإمام عليه السلام مر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: يا حسن اسبغ الوضوء، فقال: يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالأمس اناساً يشهدون أن لا إله إلّااللَّه وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله، يصلون الخمس، ويسبغون الوضوء، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا، فقال: واللَّه لأصدقنّك يا أميرالمؤمنين لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت عليّ سلاحي وأنا لا أشك في أنّ التخلف عن أم المؤمنين عائشه هو الكفر، فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة ناداني مناد «يا حسن إلى اين ارجع فإنّ القاتل والمقتول في النار» فرجعت ذعراً وجلست في بيتي، فلما كان في اليوم الثاني لم أشك أنّ التخلف عن ام المؤمنين عائشه هو الكفر، فتحنطت، وصببت عليّ سلاحي وخرجت اريد القتال، حتى انتهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي: «يا حسن إلى اين مرةً بعد اخرى القاتل والمقتول في النار» قال علي عليه السلام: صدقك افتدري من ذلك المنادي؟ قال: لا، قال عليه السلام:
ذاك أخوك ابليس، وصدقك أنّ القاتل والمقتول منهم في النار، فقال الحسن البصري: الآن عرفت يا أميرالمؤمنين أنّ القوم هلكى [١].
إنّ نداءات كهذه أشير إليها في القرآن بصفة وحي الشياطين، حيث يقول تعالى في الآية:
«وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ الَى بَعْضٍ زُخْرُفَ
[١]. احتجاج الطبرسي، ج ١، ص ٢٥٠.