نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٩ - ٢- كيفية الارتباط بين ينابيع العلم والتقوى؟
مجبول في قلوبكم مركوز في طبائِعكم، تخلقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم» [١].
ج) نعلم أنّه لا وجود للبخل والحسد في مبدأ عالم الوجود، وعلى ما جاء في الآية:
«وَانْ مِّنْ شَىْءٍ الَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ الَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُوْمٍ». (الحجر/ ٢١)
فإنّ خزائن النعم غير المتناهية عند اللَّه، ما ينقصه زيادة كرمه وكثرته شيئاً، بل إنّ جوده وكرمه يتجلّى أكثر «وَلا يَزِيدُهُ كَثْرَةُ العَطاءِ إلّاجُوداً وَكَرَما».
وعليه، فإنّ الحرمان سببه عدم أهلية الأشخاص، إنّ التقوى تجعل الإنسان أهلًا للفيض الإلهي، وأي فيضٍ أرفع شأناً من المعارف والعلوم الإلهيّة؟
إنّ القلوب كالأوعية كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «إنَّ هذِهِ الْقُلُوب أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُها أوعاها» [٢] والمهم هو أنّ نوسع هذه الأوعية، وأن لا تكون مقلوبة لا تسع ولو لقطرة واحدة، وهذا الأمر ممكن في ظل التقوى.
أمّا التأثير المتبادل بين العلم والتقوى: فهو أنّ العلم الحقيقي يمحو جذور الرذائل الأخلاقية وينابيع الإثم والذنب، ويمثل أمامه عواقب الامور، وهذه المعرفة تعين الإنسان على تبلور التقوى في قلبه وعلى ابتعاده عن الإثم، ويتضح من هنا أنّ العلم ينبوع للتقوى، كما أنّ التقوى ينبوع للعلم، غاية الأمر أنّ مرحلة من التقوى تسبب مرحلة من العلم، وتلك المرحلة من العلم تسبب مرحلة أرفع من التقوى، وعلى هذا المنوال فإنّ كلًا منهما يوثر في الآخر تأثيراً متبادلًا، وقد تكون الآية: مشيرةً إلى هذه النقطة:
«انَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُونَ».
(الاعراف/ ٢٠)
أي أنّ التقوى تكون في البداية، ثم التذكر، ثم البصيرة، والنتيجة هي النجاة من وساوس الشياطين.
[١]. تفسير الصراط المستقيم، ج ١، ص ٢٦٧.
[٢]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ١٤٧.