نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٠ - قومٌ أهلكهم تقليدهم
الرحوم «هود»، فعندما دعاهم إلى التوحيد وترك الظلم والاجحاف والترف أجابوه: «سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الوَاعِظِينَ» وبهذا كشفوا عن تحجرهم وصلابتهم تجاه كلام النبي المنطقي، وذلك لعدم سماح حجاب التقليد لهم بقبول الحقيقة.
وقد كشفت الآية الثانية عن مواقف مشركي العرب عندما كانوا يُدعون إلى ما أنزل اللَّه، وإلى ترك عبادة الأصنام، وترك البِدَع في تحريم كثير من الامور الحلال، وكان جوابهم آنذاك: «حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا» فيظنون أنّ هذا يغنيهم عن القرآن هادياً!!
إلّا أنّ القرآن أراد ايقاظهم من غفلتهم هذه وأراد تمزيق حجاب التقليد عندهم فأجابهم:
«أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُم لَايَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ» وهل يجوز تقليد الجاهل الضالّ:؟!
والآية الثالثة أشارت إلى مشركي العرب أيضاً (أو فريق من ذوي الصفات الشيطانية) فانهم إذا ما سُئِلوا عن سبب إتيانهم الفاحشة والعمل القبيح؟ أجابوا: «وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا» ولا يكتفون بهذا بل قد يضيفون: «وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا».
فينفي القرآن هذه التهمة الكبيرة ويقول: «انَّ اللَّهَ لَايَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ».
يعتقد كثير من المفسرين أنّ المراد من «الفحشاء» في الآية الكريمة هو طوافهم رجالًا ونساءً عراة في عصر الجاهلية، حيث كانوا يعتقدون: أنّ الملابس التي ارتكب بها ذنب ليست أهلًا لأنّ يُطاف بها حول بيت اللَّه الحرام.
وعلى هذا المنوال، كان ينتقل عملهم القبيح هذا من نسل إلى نسل بالتقليد الأعمى، وما كان التقليد يسمح لهم لأنّ يدركوا قبح هذا الفعل.