نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - أفعال العقل
أمّا «الشعور» فيعني العلم والمعرفة- كما يقوله بعض من أئمّة اللغة كصاحب القاموس ولسان العرب ومقاييس اللغة وغيرهم- إلّاأنّ الراغب قال في مفرداته: يعني «الاحساس»، وإذا كان المقصود هو الاحساس الباطني فلا اختلاف مهم بين ما قاله الراغب وما قاله الآخرون في شرح معنى الشعور، وقد جاء الشعور في كثير من آيات القرآن وأُريد به (العلم)، إلّاأنّه استعمل في موضع آخر وقصد به الاحساس الخارجي.
إنَّ كلمة «البصيرة» اشتقت من البصر، وقد جاءت- كما يقول الراغب- بثلاثة معانٍ:
بمعنى العين، وبمعنى قوة العين، وبمعنى قوة الإدراك والعلم.
وقد قال البعض: إنّ معناها في الأصل هو العلم سواء حصل بالمشاهدة الحسية أو بالعقل [١].
وتستعمل مفردة «البصيرة» بالخصوص في «الإدراك القلبي والعلم»، ولهذا جاء في لسان العرب أنّها تعني الاعتقاد القلبي، وقد فسرها البعض بالذكاء الذهني.
وقد استعملت بالمعنى الأخير في القرآن الكريم حيث يقول: «قُلْ هَذِهِ سَبِيْلِى أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى» [٢]. (يوسف/ ١٠٨)
وكلمة «الدراية» تعني العلم والخبرة بصورة عامة، أو العلم والخبرة في الامور الخفية والمستترة، كما قد جاءت بمعنى «الكياسة»، كما يستفاد من قواميس اللغة أنّها في الأصل تعني الالتفات إلى شيءٍ ثمّ استعملت وأُريد منها الخبرة بشيءٍ، وقد استعملت في القرآن الكريم مراراً وقصد بها مفهوم «العلم»، ويستخلص من هذا القسم من بحثنا أنّ الألفاظ التي استعملت للتعبير عن العقل وأريد منها مفهوم العلم والإدراك ألفاظ متنوعة، وكلٌّ منها تُعبّر عن بُعد وجانب من أبعاد وجوانب العقل، وقد استعملت كلٌّ في موردها!
فعند البحث عن الخبرة مع الدقة استعملت «الدراية»، وعند البحث عن التحليل والعقل
[١]. التحقيق في كلمات القرآن الكريم مادة (بصر).
[٢]. وقد جاءت في آيات اخرى واريد منها نفس المعنى كما في الآيات: القيامة ١٤؛ و الأنعام ١٠٤؛ الأعراف ٢٠٣؛ الاسراء ١٠٢.