نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٦ - شرح المفردات
وقد يكون بمعنى موهبة تُؤهب من صاحب مقامٍ عالٍ إلى صاحب مقامٍ دانٍ: «انْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ ازْوَاجٍ». (الزمر/ ٦)
وقد يكون الانزال بمعنى إِلقاء المعارف الإلهيّة من قِبَلِ اللَّه، وقد استعمل هذا المعنى في القرآن كثيراً، وهناك بحث لأئمة اللغة في كون الانزال والتنزيل بمعنى واحد، أو أنّ لكلٍ معنى يختص به، فبعض يقول: إنّه لا اختلاف في المعنى بينهما غير أنّ التنزيل يفيد الكثرة فقط [١]، بينما يعتقد بعض آخر: أنّ «التنزيل» يفيد التدريج، و «الانزال» يفيد التدريج والدفعي، واعتمد الراغب في تفريقه هذا على الآية:
«وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَولَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَاذَا انْزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنْظُرُونَ الَيْكَ نَظرَ الْمَغْشِىِّ عَلَيهِ مِنَ الْمَوتِ». (محمد/ ٢٠)
فالآية تحدثت أولًا عن طلب المؤمنين لنزول آيات الجهاد تدريجياً، ثم أشارت إلى نزول حكم الجهاد بصورة قاطعة وجامعة، وعندها ينظر المنافقون إلى الرسول نظر المغشي عليه من الموت.
٣- إنّ «تبيين» اشتقت من مادة «بَينْ» أي المسافة الفاصلة بين الشيئين، ثم جاءت بمعنى «الايضاح» و «الفراق»، وذلك لأنّ الفصل بين الشيئين يستدعي هذين الأمرين، ثم استعملت بعد ذلك لكلٍ من المعنيين بصورة مستقلة، فتارة تعني «الفراق» واخرى «الايضاح».
وقد جاء في «صحاح اللغة» أن «بين» تأتي بمعنيين متضادين هما، الفراق والآخر الاتصال، ويظهر أنّ معناهما في الأصل- كما جاء في غير صحاح اللغة- هو الفراق، إلّاأنّ الفراق قد يؤدّي إلى الاتصال بشيء آخر فاستعمالها في الاتصال لأنّه يلازم الفراق.
وعلى أيّة حال فإنّ مفردة (تبيين» جاءت في كثير من آيات القرآن بمعنى الظهور والانكشاف والوضوح، ولهذا يقال للدليل الواضح والمنكشف «بيّنة» سواء كان عقلياً أو محسوساً، فيطلق «البينه» على الشاهدين العادلين (اللذين يعتبران بينة محسوسة)، كما
[١]. وهذا رأي صاحب لسان العرب، حيث نقله عن ابي الحسن.