نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٨ - النفوذ التدريجي لآفات المعرفة
يقولون: «وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُون»، نعم لعنهم اللَّه بكفرهم، وأبعدهم عن رحمته، وأنّ أشخاصاً كاليهود كيف يمكنهم أن يذوقوا حلاوة الحقيقة.
قد يكون التعبير ب «الغلاف» يختلف عن التعبير ب «الأكنة»، وذلك لأنّ الغلاف يستر المغلَّف ويغطيه من جميع الجهات، بينما يغطي الستار جهة واحدة من المستور، وبتعبير آخر: تارة تصيب الموانع مصدراً واحداً من مصادر المعرفة كالفطرة لوحدها أو العقل لوحده، وتارة اخرى تعطل جميع المصادر وتجعلها في غلاف يحول دون المعرفة.
نعم، كلما تلوّث الإنسان بالذنوب والفساد أكثر ابتعد قلبه وروحه من المعرفة وحُرِم منها اكثر.
وتحدثت الآية الثامنة والتاسعة عن الطبع على القلوب الذي يحول دون المعرفة، وقد اعتبرت الآية الثامنة الطبع سبباً لعدم السمع «فَهُمْ لَايَسْمَعُونَ»، واعتبرت الآية التاسعة الطبع سبباً لعدم الفقه والفهم «فَهُمْ لَايَفْقَهُونَ»، والمراد في الموردين واحد، فكما قلنا: إنّ المراد من عدم السمع هو عدم الإدراك والوعي والفهم.
وهذه المرحلة أشدّ من المراحل السابقة، فالمرحلة الاولى هي جعل الأكنة على القلوب، ثم الغلاف عليها، وفي النهاية يطبع عليها للحيلولة دون نفوذ أي شيء فيها، كما ذكرنا ذلك في بحث شرح المفردات.
طبعاً: إنّ ابتلاءهم بهذا المصير ليس اعتباطياً، بل لأسباب أشارت إليها الآية السابقة حيث قالت: «وَ اذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنوُا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ الْقَاعِدِينَ* رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِم فَهُمْ لَايَفْقَهُونَ». (التّوبه/ ٨٦- ٨٧)
إذن إعراضهم عن الجهاد وتخلفهم عنه هو السبب في الطبع على القلوب.