نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٨ - ٢- هل توجد معرفة فطرية؟
وإذا أثبتنا- مثلًا- بالحس والتجربة أو بدليل عقلي وجود أمر ما، فإذا كنّا غير واثقين بقضية «استحالة اجتماع النقيضين» التي تعتبر من القضايا البديهية جدّاً، فعندئذٍ يمكننا التشكيك بالأمر، والقول بإمكانية عدم وجود الأمر الذي أثبتنا وجوده!
وإذا أردنا إثبات هذه الاصول البديهية بالتجربة والاستدلال فسينتهي الأمر بنا إلى الدور والتسلسل ولا تخفى سلبيات هذا الأمر على أحد.
ثانياً: فضلًا عمّا سبق، فكما نعترض على السفسطائيين (الذين ينكرون كل شيء) وكذا المثاليين (الذين ينكرون الحقائق الخارجية، ويعتقدون بالامور الذهنية فقط) وبالاستناد إلى الوجدان نقول: إنّ الوجدان يشهد ببطلان مثل هذه العقائد، لأننا ندرك أنفسنا والعالم الخارجي الذي يحيط بنا بوضوح، فكذلك الأمر هنا، لأنّ هذه الضرورة الوجدانية دليل على وجود كثير من الإدراكات الباطنية.
وكما أننا نحس بحاجات جسمية وروحية كثيرة (الحاجات الجسمية مثل الأكل والشرب والنوم، والروحية مثل الميل إلى العلم والاحسان والجمال والعبادة والقداسة) ويقول بعض علماء النفس: (إنّ هذه المقتضيات تشكل الأبعاد الأربعة لروح الإنسان).
فهذا الوجدان ذاته يصرح لنا بحسن الاحسان والعدالة وقبح الظلم والاعتداء، وفي هذه الإدراكات لا نحتاج إلى مصدر اجتماعي أو اقتصادي أو غير ذلك بل يكفينا الوجدان.
إنَّ حجة أمثال «فرويد» و «ماركس» واضحة، حيث أنّهم يعتقدون بأصل واحد وهو رجوع كل قضية اجتماعية وفكرية إلى الجنس أو الاقتصاد، ويصرون على توجيه كل شيء على ضوء هذا الأصل.
ثالثاً: إنّ الموضوع واضح من جهة نظر توحيدية، لأنا إذا سلّمنا أنّ الإنسان خُلِقَ للتكامل على أساس سنة إلهية، فلا ينبغي الشك في أنّ وسائل ودوافع مثل هذا التكامل يجب أن تكون مهيئة في ذاته، وموجودة، وأنّ ما جاء به الأنبياء وما ورد في الكتب