نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٧ - جمع الآيات وتفسيرها
ومع الأخذ بنظر الاعتبار إلى أنّ الإنسان لا يمكنه رؤية هذه الحقائق بعينه الظاهرية واستدلالاته العقلية، ندرك أنّ اللَّه أراه هذه الحقائق عن طريق الشهود الباطني وإزالة الحجب التي تحول دون مشاهدة الإنسان الحقائق الغيبية.
وقد ذكر الفخر الرازي احتمالين في تفسيره ل «الإرائة»، أحدهما: «أنّها حسية، والثاني:
أنّها إرائة عن طريق الاستدلال العقلي، ثم اختار الاحتمال الثاني، وذكر تسعة أدلة عليه» [١].
لكن- كما قلنا سابقاً- فالإنسان عاجز عن الاحاطة الكاملة بأسرار سلطان اللَّه على العالم سواء كان عن طريق الحس أو عن طريق العقل، وتحتاج الاحاطة هذه إلى طريق إدراك آخر، وهو الشهود الباطني، ولهذا السبب يذكر صاحب تفسير «في ظلال القرآن»:
«أنّ المراد من الآية إخبار ابراهيم عن أسرار الخلق الخفية ورفع الحجاب عن آيات كتاب الخلق التي نشرت كي يصل ابراهيم إلى درجة اليقين الكامل» [٢].
و بتعبير آخر: إنّ ابراهيم اجتاز مراحل التوحيد الفطري والاستدلالي- في البداية- من خلال مشاهدته لطلوع الشمسُ وغروبها وطلوع النجوم وافولها، وجاهد المشركين واجتاز درجات التوحيد في ظل هذا الجهاد العظيم، الواحدة تلو الاخرى، إلى أن بلغ مرحلة كشف اللَّه له فيها الحقائق، وهي مرحلة الشهود الباطني.
وهناك حديث للإمام الصادق عليه السلام في هذا المجال يشير فيه إلى هذا المعنى حيث يقول:
«كُشِط لإبراهيم السموات السبع حتى نظر ما فوق العرش، وكشط له الأرضون السبع، وفُعِل لمحمد صلى الله عليه و آله مثل ذلك ...» «والأئمّة من بعده قد فُعل بهم مثل ذلك» [٣].
وقد ذكر صاحب البرهان الكثير من الأحاديث في تفسيره، كلها تكشف أنّ الإدراك هذا ليس هو نفس الإدراك العقلي أو الحسي، بل- وكما صرح صاحب الميزان وأشرنا إليه سابقاً- إنّ الملكوت هي مجموعة الامور التي لها ارتباط بالذات المقدّسة الإلهيّة من حيث
[١]. التفسير الكبير، ج ١٣، ص ٤٣.
[٢]. في ظلال القرآن، ج ٣٩، ص ٢٩١.
[٣]. تفسير البرهان، ج ١، ص ٥٣١، ح ٢ (ومضمون الحديث الثالث والرابع قريب من مضمون هذا الحديث).