نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٦ - النفوذ التدريجي لآفات المعرفة
حيث قالت الآية: «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُون» فلا عجب في عدم تمكّنهم من رؤية الحقيقة.
وتحدثت الآية الخامسة عن تفاقم الحالة السابقة بحيث تتبدل إلى مرض روحي، فبعد إشارتها إلى الالقاءات والوساوس الشيطانية حتى للأنبياء والمرسلين قالت: «لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ».
نعم، إنّ هذه القلوب التي لا تستلذ بطعم الحقيقة، بسبب مرضها، وحلاوة الحقيقة عندها كالمرارة، على استعداد لقبول وسوسة الشياطين.
وممّا يلفت النظر هنا أن جملة «فِى قُلُوبِهِم مَرَضٌ»، تكررت اثنا عشر مرّة في القرآن، ممّا يكشف الأهميّة التي أولاها اللَّه لهذه المسألة، مع الالتفات إلى أنّ أغلب هذه الآيات عنت المنافقين وصُرّح بذلك في عدد منها [١].
إلّا أنّ المرض جاء في بعض من هذه الآيات بمعنى «الشهوات والميول والهوى»، كما هو الحال في الآية: «فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَولِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ». (الاحزاب ٣٢)
وعلى أيّة حال، فإنّ المستفاد من الآيات هو أنّ الإنسان كما يصاب جسمه بامراض، كذلك روحه فانّها قد تصاب بامراض سببها «النفاق» تارة و «الأهواء والميول» تارة اخرى، وتغيّر عند عروضها- ذائقة روح الإنسان بالكامل، كما نرى ذلك في أمراض الجسم فقد تُغير مزاجه بشكل تجعله يستلذ بالأغذية الشاذة والكريهة ولا يستلذ بالأكلات اللذيذة والمفيدة، فإنّ إنساناً كهذا غير قادر على إدراك الحقائق ووعي الامور وفهمها.
ومن المؤسف أنّهم كلما استمروا في طريقهم كلما تفاقم عندهم المرض، فإذا كانوا في مرحلة الشك، فسيتفاقم عندهم ويشتد ويصل تدريجياً إلى مرحلة الانكار ومن الانكار
[١]. الأنفال، ٤٩، والأحزاب، ١٢ و ٣٢.