نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - النفوذ التدريجي لآفات المعرفة
المعرفة والآفات ونفوذها التدريجي والغامض، بشكلٍ عرّف سالكي طريق العلم، والمعرفة بها تعريفاً كاملًا، وأنذرهم كراراً بأن لا يفنوا عمرهم في السعي نحو السراب ظناً منهم أنّه ماء، وبعد سنوات من السعي الحثيث من أجل الوصول إلى الحقيقة ينتهون إلى الباطل.
والآن نبحث معاً الآيات المذكورة:
الحديث في الآية الاولى والثانية يدور حول تزيين الأعمال، فتارة يزينها الشيطان للإنسان (كما جاء ذلك في الآية الثانية) وتارة تكون ذهنيات الإنسان ونفسه أو عوامل اخرى هي التي تزين للإنسان سوء أعماله (كما جاء ذلك في الآية الاولى، حيث إنّ الفعل فيها مبني للمجهول) فقالت: «افَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فإِنَّ اللَّهَ يُضلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ» فإنّ الأول يتجه نحو الهاوية والثاني نحو الصراط المستقيم، وإذا ما صدر منه عملٌ سيءٌ أسرع إلى التوبة وجبران ما عمل.
وتضيف الآية الثانية: إنّ قلب الإنسان يقسو في المرحلة الاولى، ثم يتأهل لتقبل وسوسة الشيطان فتتمثل الأعمال السيئة حسنةً أمامه، ومن هنا نرى بعض الناس غير نادمين على أعمالهم السيئة، بل قد يفرحون ويتباهون بها، ويصرون على منطقيتها وصحتها.
وقد حصل هذا الأمر لأخوة يوسف، فعندما ألقوه في البئر وجاءوا أباهم بقميصه ملطخاً بدم كاذب ادعوا أكل الذئب له، وأنّهم صادقون في كلامهم.
فأجابهم أبوهم: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً». (يوسف/ ١٨)
أي ظننتم أنّكم أحسنتم عملًا بهذه الجريمة، وانكم ستحلون محل يوسف في قلبي، وأنّ يوسف انتهى أمره إلى الأبد، غافلين عن أنكم توطئون بعملكم هذا مقدمات عزه وسلطانه، وأنّ مكانه سيبقى فارغاً في قلبي حتى أرى الفقيد مرة اخرى.
وممّا يستحق الإشارة إليه هو أنّ القرآن ينسب تزيين الأعمال تارة للشيطان وتارة