نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٠ - الوحي شمس مشرقة
لِّجِبْرِيلَ فَانَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِاذْنِ اللّهِ».
والتعبير في هذه الآية يكشف عن أن جبرئيل عليه السلام كان يُنزل- أحياناً- آيات القرآن على قلب الرسول مباشرة في حين أنّ بعض الروايات تشير إلى أنّ جبرئيل كان يأتي للرسول صلى الله عليه و آله على هيئة إنسان أحياناً ويقوم بابلاغه الخطاب الإلهي بهذا الطريق [١].
والآية السادسة وضحت الحقيقة الآتية: إنّ القرآن الذي أنزلناه على الرسول فيه تبيانٌ لكلِّ شيء وحاملًا للهداية والرحمة والبشارة إلى جميع المسلمين، وعليه فإنّ جميع هذه المعارف تصدر عن هذا المصدر العظيم أي الوحي.
بديهي أنّ المراد من «كل شيء» هو جميع القضايا التي تتعلق بسعادة الإنسان، فتعلم أنّ اسس جميع هذه القضايا قد جاءت في القرآن (سواء المادية منها أو المعنوية) في صورة قوانين كلية.
وقد صرحت الآية السابعة بأنّ القرآن روح نزلت على الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله من قِبَل اللَّه عزّ وجلّ، ولم يكن يدري ما الكتاب ولم يكن يدري ما الإيمان، وقد قيل للقرآن «روح» لأنّه يبعث الحياة في قلوب المجتمع البشري، وهذا حديثٌ يذهب إليه كثير من المفسرين [٢].
والمراد ب: «ما كنت تدري ما الكتاب» هو أنّ الرسول لم يكن عارفاً بمحتوى الآيات قبل البعثة، وهناك شواهد تاريخية وروائية تكشف عن سبق معرفته باللَّه قبل البعثة.
[١]. أصرَّ الفخر الرازي على تأويل الآية بما يتناسب مع ما ذهبت إليه الروايات من أن جبرئيل عليه السلام كان يتمثل امام الرسول صلى الله عليه و آله في صورة إنسان، وبما أن القلب هو مركز حفظ الآيات عبر اللَّه بهذا التعبير «فَانَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ» (تفسير الكبير، ج ٣، ص ١٩٦)، لكننا لا نرى ضرورة لتأويل الآية بالشكل الذي قاله الفخر الرازي، بل يمكن القول بأن اتصال جبرئيل عليه السلام بالرسول كان يتم بطريقين: جسماني وروحي.
[٢]. يقول الراغب: «سمي روحاً لكون القرآن سبباً للحياة الاخروية».