الشيعة شبهات و ردود - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٧ - ٣ التوسل في الأمور التكوينية
طبعاً ظهرت هنا مجموعة تفريطية تنكر عالم الأسباب أيضاً، لأنّهم تصوروا أنّ الاعتقاد بعالم الأسباب يتنافى مع التوحيد في الأفعال، فيقولون: إنّ النّار لا تحرق، فالله هو الذي يحرق ذلك الشيء عند ما نقرب النار إليه، الماء لا يُطفئ النّار، الله هو الذي يُطفئها عند ما نصب الماء على النّار، و هكذا فهم ينكرون جميع الروابط بين العلة و المعلول، و هي من الروابط البديهية في عالم الخلقة.
في الوقت الذي يقر فيه القرآن المجيد عالم الأسباب و يعترف به بشكل واضح و صريح حيث يقول: (وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) [١]، فكلمة «فَيُحْيِي بِهِ» يعني بقطرات المطر تُحيى الأرض. و هذه الآية لها دلالة واضحة و صريحة على الإقرار و الاعتراف بعالم الأسباب. و لكن هذه الأسباب ليس لها تأثير مستقل، فكل ما لديها هو من الله.
فهذه الآثار الظاهرة هي من الله، فكما أنّ منكري الأسباب الطبيعية مخطئون و غافلون، فكذلك منكرو الأسباب في عالم التشريع.
نأمل منهم أن يتوجهوا إلى ما ذكر، و أن يبتعدوا عن التعصب، و يعودوا إلى الصواب، و ينهوا مسيرة التكفير و التفسيق، و يأتلفوا مع مسلمي العالم، و يقفوا في وجه الأعداء الذين جعلوا الله و القرآن و الإسلام هدفاً لهجماتهم، و أن يبيِّنوا التعاليم الإسلاميّة للمجتمع العالمي خالية من الشرك و الغلو و النقصان.
شعبان المعظّم ١٤٢٦
ناصر مكارم الشيرازي
[١]. سورة الروم، الآية ٢٤.