الشيعة شبهات و ردود - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٢ - القرآن و المسح على الأرجل
ثبت بالتواتر من فعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة و هم مخالفون لذلك كله و ليس لهم دليل صحيح في الواقع و نفس الأمر» [١].
و تبعه على ذلك جمع آخر بعيون عمياء و آذان صمّاء بدون أن يحققوا في المسألة، و لفقوا على الشيعة التهم كما يحلو لهم.
و تصوروا أن جميع مخاطبيهم من العوام، و لم يفكروا أنّه سيقوم المحققون و العلماء يوماً بنقد كلامهم، و سيندمون على ذلك أمام التاريخ الإسلامي.
و الآن و قبل كل شيء نتجه للقرآن المجيد، فالقرآن يحدثنا في سورة المائدة- آخر سورة نزلت على نبي الإسلام (صلى الله عليه و آله)- حيث يقول تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [٢].
و من الواضح أنّ كلمة «أَرْجُلَكُمْ» معطوفة على «بِرُؤُسِكُمْ» فيكون المسح على كليهما لازماً سواء قرأنا «أَرْجُلَكُمْ» بالنصب أم بالجر. تأملوا [٣].
[١]. أنظر تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٥١٨.
[٢]. سورة المائدة، الآية ٦.
[٣]. و للتوضيح هناك قراءتان معروفتان لكلمة «أَرْجُلَكُمْ»، قراءة بالجر (كسر حرف اللام) برواية جمع من القراء المشهورين، مثل حمزة و أبي عمر و ابن كثير، و حتى عاصم (موافق لرواية أبي بكر)، و جمع آخر من المشهورين أيضاً قرءوها بالنصب، و جميع المصاحف الحالية مكتوبة على وفقها.
و لكن لا يوجد أي فرق في المعنى بين هاتين القراءتين.
لأنّا إذا قرأناها بالكسر فواضح أنّها معطوفة على «بِرُؤُسِكُمْ» و معناها أن تمسح القدمين في الوضوء، (كما تمسح الرأس).
فهل يعاب على الشيعة العمل على وفق هذه القراءة التي يذهب إليها الكثيرون؟
و إذا تجاوزنا هذا و قرأناها بالفتح فهي معطوفة أيضاً و لكن على محل «بِرُؤُسِكُمْ»، و محلها النصب كما تعلمون، لأنّه مفعول ل- «وَ امْسَحُوا» فعليه يكون المعنى على كلا القراءتين المسح على القدمين.
و لكن توهّم بعضهم بأنّ قراءة «أَرْجُلَكُمْ» بالفتح تكون معطوفة على «وُجُوهَكُمْ» فيصبح المعنى اغسلوا وجوهكم و أيديكم و كذلك أرجلكم!
في الوقت الذي تكون هذه القراءة خلاف القواعد العربية، و لا تتفق مع فصاحة القرآن.
فأمّا مخالفتها للقواعد العربية، فهو أن لا يفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بفاصل أجنبي، و كما يقول العالم السني المعروف: إنّه يستحيل عطف «أَرْجُلَكُمْ» على «وُجُوهَكُمْ» لأنّه لم يسمع في الكلام العربي الفصيح أحد يقول «ضربت زيداً و مررت ببكر و خالداً» أي يكون «خالد» معطوف على «زيد» (شرح منية المصلي، ص ١٦).
و حتى الأشخاص العاديين لا يتفوهون بهذا الكلام، فكيف بالقرآن الكريم، و هو مثال الفصاحة و الكمال.
فعليه، و كما قال بعض محققي أهل السنّة، إنّه لا شك في أنّ كلمة «أَرْجُلَكُمْ» بناءً على النصب تكون معطوفة على محل «بِرُؤُسِكُمْ»، و على كلا الوجهين يكون معنى الآية واحداً، و هو المسح على الرأس و القدمين في الوضوء.