حكمت نامه لقمان - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٤٢ - فصل دهم حكمت هاى جامع
٣٧٤. عنه عليه السلام في تَفسيرِ قَولِهِ تعالى: «وَ إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»: فَوَعَظَ لُقمانُ لِابنِهِ بِآثارٍ حَتّى تَفَطَّرَ وَ انشَقَّ.
و كانَ فيما وَعَظَهُ بِهِ ... أن قالَ: يا بُنَيَّ، إنَّكَ مُنذُ سَقَطتَ إلَى الدُّنيَا استَدبَرتَ وَ استَقبَلتَ الآخِرَةَ، فَدارٌ أنتَ إلَيها تَسيرُ أقرَبُ إلَيكَ مِن دارٍ أنتَ مِنها مُتَباعِدٌ.
يا بُنَيَّ، جالِسِ العُلَماءَ و زاحِمهُم بِرُكبَتَيكَ، لا تُجادِلهُم فَيَمنَعوكَ، و خُذ
مِنَ الدُّنيا بَلاغاً، و لا تَرفُضها فَتَكونَ عِيالًا عَلَى النّاسِ، و لا تَدخُل فيها دُخولًا يَضُرُّ بِآخِرَتِكَ، و صُم صَوما يَقطَعُ شَهوَتَكَ، و لا تَصُم صَوما يَمنَعُكَ مِنَ الصَّلاةِ؛ فَإِنَّ الصَّلاةَ أحَبُّ إلَى اللّهِ مِنَ الصِّيامِ.
يا بُنَيَّ، إنَّ الدُّنيا بَحرٌ عَميقٌ، قَد هَلَكَ فيها عالَمٌ كَثيرٌ، فَاجعَل سَفينَتَكَ فيهَا الإِيمانَ، وَ اجعَل شِراعَهَا التَّوَكُّلَ، وَ اجعَل زادَكَ فيها تَقوَى اللّهِ، فَإِن نَجَوتَ فَبِرَحمَةِ اللّهِ، و إن هَلَكتَ فَبِذُنوبِكَ.
يا بُنَيَّ، إن تَأَدَّبتَ صَغيرا انتَفَعتَ بِهِ كَبيراً، و مَن عَنى[١] بِالأَدَبِ اهتَمَّ بِهِ، و مَنِ اهتَمَّ بِهِ تَكَلَّفَ عِلمَهُ، و مَن تَكَلَّفَ عِلمَهُ اشتَدَّ طَلَبُهُ، و مَنِ اشتَدَّ طَلَبُهُ أدرَكَ مَنفَعَتَهُ، فَاتَّخِذهُ عادَةً.
فَإِنَّكَ تَخلُفُ في سَلَفِكَ، و تَنفَعُ بِهِ مَن خَلَفَكَ، و يَرتَجيكَ فيهِ راغِبٌ، و يَخشى صَولَتَكَ راهِبٌ. و إيّاكَ وَ الكَسَلَ عَنهُ وَ الطَّلَبَ لِغَيرِهِ، فَإِن غُلِبتَ عَلَى الدُّنيا فَلا تُغلَبَنَّ عَلَى الآخِرَةِ، و إذا فاتَكَ طَلَبُ العِلمِ في مَظانِّهِ فَقَد غُلِبتَ عَلَى الآخِرَةِ.
وَ اجعَل في أيّامِكَ و لَياليكَ و ساعاتِكَ لِنَفسِكَ نَصيباً في طَلَبِ العِلمِ؛ فَإِنَّكَ لَن تَجِدَ لَهُ تَضييعاً أشَدَّ مِن تَركِهِ، و لا تُمارِيَنَّ فيهِ لَجوجاً، و لا تُجادِلَنَّ فَقيهاً، و لا تُعادِيَنَّ سُلطاناً، و لا تُماشِيَنَّ ظَلوماً، و لا تُصادِقَنَّهُ، و لا تُصاحِبَنَّ فاسِقاً نَطِفاً[٢]، و لا تُصاحِبَنَّ مُتَّهَماً، وَ اخزُن عِلمَكَ كَما تَخزُنُ وَ رِقَكَ.
يا بُنَيَّ، خَفِ اللّهَ خَوفاً لَو أتَيتَ القِيامَةَ بِبِرِّ الثَّقَلَينِ خِفتَ أن يُعَذِّبَكَ، وَ ارجُ اللّهَ رَجاءً لَو وافَيتَ القِيامَةَ بِإِثمِ الثَّقَلَينِ رَجَوتَ أن يَغفِرَ لَكَ.
فَقالَ لَهُ ابنُهُ: يا أبَتِ و كَيفَ اطيقُ هذا و إنَّما لي قَلبٌ واحِدٌ؟
فَقالَ لَهُ لُقمانُ: يا بُنَيَّ، لَوِ استُخرِجَ قَلبُ المُؤمِنِ فَشُقَّ لَوُجِدَ فيهِ نورانِ، نورٌ لِلخَوفِ، و نورٌ لِلرَّجاءِ[٣]، لَو وُزِنا لَما رَجَحَ أحَدُهُما عَلَى الآخَرِ بِمِثقالِ ذَرَّةٍ، فَمَن يُؤمِن بِاللّهِ يُصَدِّق ما قالَ اللّهُ، و مَن يُصَدِّق ما قالَ اللّهُ يَفعَل ما أمَرَ اللّهُ، و مَن لَم يَفعَل ما أمَرَ اللّهُ لَم يُصَدِّق ما قالَ اللّهُ؛ فَإِنَّ هذِهِ الأَخلاقَ تَشهَدُ بَعضُها لِبَعضٍ فَمَن يُؤمِن بِاللّهِ إيماناً صادِقاً يَعمَل للّهِ خالِصاً ناصِحاً و مَن عَمِلَ للّهِ خالِصاً ناصِحاً فَقَد آمَنَ بِاللّهِ صادِقا و مَن أطاعَ اللّهَ خافَهُ و مَن خافَهُ فَقَد أحَبَّهُ، و مَن أحَبَّهُ اتَّبَعَ أمرَهُ، و مَنِ اتَّبَعَ أمرَهُ استَوجَبَ جَنَّتَهُ و مَرضاتَهُ، و مَن لَم يَتَّبِع رِضوانَ اللّهِ فَقَد هانَ عَلَيهِ سَخَطُهُ، نَعوذُ بِاللّهِ مِن سَخَطِ اللّهِ.
يا بُنَيَّ، و لا تَركَن إلَى الدُّنيا، و لا تَشغَل قَلبَكَ بِها، فَما خَلَقَ اللّهُ خَلقا هُوَ أهوَنُ عَلَيهِ مِنها، أ لا تَرى أنَّهُ لَم يَجعَل نَعيمَها ثَوابا لِلمُطيعينَ، و لَم يَجعَل بَلاءَها عُقوبَةً لِلعاصينَ.[٤]
[١] في المصدر:« غني»، و التصويب من بحار الأنوار و قصص الأنبياء: ص ١٩٤ ح ٢٤٣. و عَنَى الأَمرُ فلانا: أهَمَّهُ. و يقال: عَنى بأمر فلان( المعجم الوسيط: ج ٢ ص ٦٣٣« عنا»).
[٢] في بحار الأنوار:« و لا تُؤاخِيَنَّ فاسقا» بدل« و لا تصاحبنّ فاسقا نطفا». و النَّطِفُ الرَّجُلُ المُريبُ( لسان العرب: ج ٩ ص ٣٣٤« نطف»).
[٣] في المصدر:« ... نورين نورا للخوف و نورا للرجاء»، و الصحيح ما أثبتناه كما في بحار الأنوار.
[٤] تفسير القمي: ج ٢ ص ١٦٣، بحار الأنوار: ج ١٣ ص ٤١١ ح ٢.