دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٢٠
٥٨.الإمام عليّ عليه السلام ـ في خُطبَةٍ لَهُ ـ :ولَقَد كانَ في رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله كافٍ لَكَ فِي الاُسوَةِ ، ودَليلٌ لَكَ عَلى ذَمِّ الدُّنيا وعَيبِها ، وكَثرَةِ مَخازيها ومَساويها ؛ إذ قُبِضَت عَنهُ أطرافُها ، ووُطِّئَت لِغَيرِهِ أكنافُها[١] ، وفُطِمَ عَن رَضاعِها ، وزُوِيَ[٢] عَن زَخارِفِها . وإن شِئتَ ثَنَّيتُ بِموسى كَليمِ اللّهِ صلى الله عليه و سلم حَيثُ يَقولُ : «رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» [٣] ، وَاللّهِ ! ما سَأَلَهُ إلّا خُبزا يَأكُلُهُ ؛ لِأَنَّهُ كانَ يَأكُلُ بَقلَةَ الأَرضِ ، ولَقَد كانَت خُضرَةُ البَقلِ تُرى مِن شَفيفِ[٤] صِفاقِ[٥] بَطنِهِ ؛ لِهُزالِهِ وتَشَذُّبِ[٦] لَحمِهِ . وإن شِئتَ ثَلَّثتُ بِداودَ صلى الله عليه و سلم صاحِبِ المَزاميرِ وقارِئِ أهلِ الجَنَّةِ ، فَلَقَد كانَ يَعمَلُ سَفائِفَ الخوصِ[٧] بِيَدِهِ ، ويَقولُ لِجُلَسائِهِ : أيُّكُم يَكفيني بَيعَها! ويَأكُلُ قُرصَ الشَّعيرِ مِن ثَمَنِها . وإن شِئتَ قُلتُ في عيسىَ بنِ مَريَمَ عليه السلام ، فَلَقَد كانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ ، ويَلبَسُ الخَشِنَ ، ويَأكُلُ الجَشِبَ[٨] . وكانَ إدامُهُ الجوعَ ، وسِراجُهُ بِاللَّيلِ القَمَرَ ، وظِلالُهُ فِي الشِّتاءِ مَشارِقَ الأَرضِ ومَغارِبَها ، وفاكِهَتُهُ ورَيحانُهُ ما تُنبِتُ الأَرضُ لِلبَهائِمِ . ولَم تَكُن لَهُ زَوجَةٌ تَفتِنُهُ ، ولا وَلَدٌ يَحزُنُهُ ، ولا مالٌ يَلفِتُهُ ، ولا طَمَعٌ يُذِلُّهُ . دابَّتُهُ رِجلاهُ ، وخادِمُهُ يَداهُ! فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطيَبِ الأَطهَرِ صلى الله عليه و آله ، فَإِنَّ فيهِ اُسوَةً لِمَن تَأَسّى ، وعَزاءً لِمَن تَعَزّى ، وأحَبُّ العِبادِ إلَى اللّهِ المُتَأَسّي بِنَبِيِّهِ ، وَالمُقتَصُّ لِأَثَرِهِ . قَضَمَ الدُّنيا قَضما[٩] ، ولَم يُعِرها طَرفا . أهضَمُ أهلِ الدُّنيا كَشحا[١٠] ، وأخمَصُهُم مِنَ الدُّنيا بَطنا . عُرِضَت عَلَيهِ الدُّنيا فَأَبى أن يَقبَلَها ، وعَلِمَ أنَّ اللّهَ سُبحانَهُ أبغَضَ شَيئا فَأَبغَضَهُ ، وحَقَّرَ شَيئا فَحَقَّرَهُ ، وصَغَّرَ شَيئا فَصَغَّرَهُ . ولَو لَم يَكُن فينا إلَا حُبُّنا ما أبغَضَ اللّهُ ورَسولُهُ ، وتَعظيمُنا ما صَغَّرَ اللّهُ ورَسولُهُ ، لَكَفى بِهِ شِقاقا للّهِِ ، ومُحادَّةً[١١] عَن أمرِ اللّهِ . ولَقَد كانَ صلى الله عليه و آله يَأكُلُ عَلَى الأَرضِ ، ويَجلِسُ جِلسَةَ العَبدِ ، ويَخصِفُ بِيَدِهِ نَعلَهُ ، ويَرقَعُ بِيَدِهِ ثَوبَهُ ، ويَركَبُ الحِمارَ العارِيَ ويُردِفُ خَلفَهُ ، ويَكونُ السِّترُ عَلى بابِ بَيتِهِ فَتَكونُ فيهِ التَّصاويرُ فَيَقولُ : يا فُلانَةُ ـ لِاءِحدى أزواجِهِ ـ غَيِّبيهِ عَنّي ؛ فَإِنّي إذا نَظَرتُ إلَيهِ ذَكَرتُ الدُّنيا وزَخارِفَها . فَأَعرَضَ عَنِ الدُّنيا بِقَلبِهِ ، وأماتَ ذِكرَها مِن نَفسِهِ ، وأحَبَّ أن تَغيبَ زَينَتُها عَن عَينِهِ ، لِكَيلا يَتَّخِذَ مِنها رِياشا[١٢] ، ولا يَعتَقِدُها قَرارا ، ولا يَرجو فيها مُقاما ، فَأَخرَجَها مِنَ النَّفس ، وأشخَصَها عَنِ القَلبِ ، وغَيَّبَها عَنِ البَصَرِ ، وكَذلِكَ مَن أبغَضَ شَيئا أبغَضَ أن يَنظُرَ إلَيهِ ، وأن يُذكَرَ عِندَهُ . ولَقَد كانَ في رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ما يَدُلُّكَ عَلى مَساوِئِ الدُّنيا وعُيوبِها ؛ إذ جاعَ فيها مَعَ خاصَّتِهِ[١٣] ، وزُوِيَت عَنهُ زَخارِفُها مَعَ عَظيمِ زُلفَتِهِ . فَليَنظُر ناظِرٌ بِعَقلِهِ : أكرَمَ اللّهُ مُحَمَّدا بِذلِكَ أم أهانَهُ؟ فَإِن قالَ : أهانَهُ ، فَقَد كَذَبَ ـ وَاللّهِ العَظيمِ ـ بِالإِفكِ العَظيمِ ، وإن قالَ : أكرَمَهُ ، فَليَعلَم أنَّ اللّهَ قَد أهانَ غَيرَهُ حَيثُ بَسَطَ الدُّنيا لَهُ ، وزَواها عَن أقرَبِ النّاسِ مِنهُ . فَتَأَسّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ ، وَاقتَصَّ أثَرَهُ ، ووَلَجَ مَولِجَهُ ، وإلّا فَلا يَأمَنِ الهَلَكَةَ ، فَإِنَّ اللّهَ جَعَلَ مُحَمَّدا صلى الله عليه و آله عَلَما لِلسّاعَةِ ، ومُبَشِّرا بِالجَنَّةِ ، ومُنذِرا بِالعُقوبَةِ . خَرَجَ مِنَ الدُّنيا خَميصا ، ووَرَدَ الآخِرَةَ سَليما . لَم يَضَع حَجَرا عَلى حَجَرٍ حَتّى مَضى لِسَبيلِهِ وأجابَ داعِيَ رَبِّهِ . فَما أعظَمَ مِنَّةَ اللّهِ عِندَنا حينَ أنعَمَ عَلَينا بِهِ سَلَفا نَتَّبِعُهُ ، وقائِدا نَطَأُ عَقِبَهُ . اللّهِ لَقَد رَقَعتُ مِدرَعَتي[١٤] هذِهِ حَتَّى استَحيَيتُ مِن راقِعِها . ولَقَد قالَ لي قائِلٌ : ألا تَنبِذُها عَنكَ ؟ فَقُلتُ : اُغرُب عَنّي ، فَعِندَ الصَّباحِ يَحمَدُ القَومُ السُّرى[١٥] .[١٦]
[١] . الكَنَف : الجانب والناحية (النهاية : ج ٤ ص ٢٠٥ «كنف») . [٢] . زَوَيت الشيء عن فلان : أي نَحَّيته (لسان العرب : ج ١٤ ص ٣٦٤ «زوى») . [٣] . القصص: ٢٤. [٤] . ثوبٌ شَفيف : أي رقيق . شَفَّ يَشِفُّ شُفوفا فهو شِفٌّ : وهو الذي يُستَشَفّ ما وراءَه؛ أي يُبصَر (المصباح المنير : ص ٣١٧ «شفف») . [٥] . الصِّفاق : الجِلد الأسفل تحتَ الجِلد الذي عليه الشَّعَر . أو جلد البطنِ كلِّه (القاموس المحيط : ج ٣ ص ٢٥٤ «صفق») . [٦] . يقال : شُذِّبَ عن النخلة جريدُها ؛ أي قُطّع وفُرِّق (انظر : النهاية : ج ٢ ص ٤٥٣ «شذب») . [٧] . سَفَّ الخوصَ : نَسَجَه (القاموس المحيط : ج ٣ ص ١٥٢ «سفيف») . [٨] . الجَشِب: هو الغليظ الخشن من الطعام. وقيل : غير المأدوم. وكلّ بشع الطعم جَشْب (النهاية : ج ١ ص ٢٧٢ «جشب»). [٩] . قَضَم الدنيا : تناول منها قدْر الكفاف وما تدعو إليه الضرورة من خشِن العيشة ... وأصل القَضم : أكل الشيء اليابس بأطراف الأسنان (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ٩ ص ٢٣٣) . [١٠] . الكَشْح : الخاصِرة . ورجُلٌ أهضَم بَيِّن الهَضم : إذا كان خميصا لقلّة الأكل (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ٩ ص ٢٣٤) . [١١] . المُحادَّة : المعاداة والمخالفة (لسان العرب : ج ٣ ص ١٤٠ «حدد») . [١٢] . الرِّيشُ والرِّياشُ بمعنىً؛ وهو اللباس الفاخِر . ويقال : المال والخِصْب والمعاش (الصحاح : ج ٣ ص ١٠٠٨ «ريش») . [١٣] . خاصّته: اسم فاعل في معنى المصدر ، أي مع خصوصيّته وتفضّله عند ربّه (تعليقة صبحي الصالح على نهج البلاغة) . [١٤] . المِدْرَعَة : ثَوبٌ ، ولا يكون إلّا من صوف (القاموس المحيط : ج ٣ ص ٢٠ «درع») . [١٥] . السُّرى : سَير عامَّة الليل (القاموس المحيط : ج ٤ ص ٣٤١ «سرى») . وقولهم : «عندَ الصباح يحمَدُ القومُ السُّرى» هو مَثَلٌ لما يُنال بالمشقَّة ، ويوصَل إليه بالتَّعَب (جمهرة الأمثال : ج ٢ ص ٣٨ الرقم ١٢٩٣) . [١٦] . نهج البلاغة : الخطبة ١٦٠ ، بحار الأنوار : ج ١٦ ص ٢٨٤ ح ١٣٦ .