كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٦٤٠
فقال عز و جل الم و المر و الر و المص و كهيعص و حم عسق و طسم و طس و يس و ما أشبه ذلك لعلتين إحداهما أن الكفار و المشركين كانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله و هو النبي ص بدليل قوله عز و جل أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا[١] و كانوا لا يستطيعون للقرآن سمعا فأنزل الله عز و جل أوائل سور منه اسم الأعظم بحروف مقطوعة هي من حروف كلامهم و لغتهم و لم تجر عادتهم بذكرها مقطوعة فلما سمعوها تعجبوا منها و قالوا نسمع ما بعدها تعجبا فاستمعوا إلى ما بعدها فتأكدت الحجة على المنكرين و ازداد أهل الإقرار به بصيرة و توقف الباقون شكاكا لا همة لهم إلا البحث عما شكوا فيه و في البحث الوصول إلى الحق و العلة الأخرى في إنزال أوائل هذه السور بالحروف المقطوعة ليخص بمعرفتها أهل العصمة و الطهارة فيقيمون بها الدلائل و يظهرون بها المعجزات و لو عم الله تعالى بمعرفتها جميع الناس لكان في ذلك ضد الحكمة و فساد التدبير و كان لا يؤمن من غير المعصوم أن يدعو بها على نبي مرسل أو مؤمن ممتحن ثم لا يجوز أن يقع الإجابة بها مع وعده و اتصافه بأنه لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ على أنه يجوز أن يعطي المعرفة ببعضها من يجعله عبرة لخلقه متى تعدى فيها حده كبلعم بن باعوراء حين أراد أن يدعو على كليم الله موسى بن عمران ع فأنسي ما كان أوتي من الاسم فانسلخ منها و ذلك قول الله عز و جل في كتابه وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ[٢] و إنما فعل عز و جل ذلك ليعلم الناس أنه ما اختص بالفضل إلا من علم أنه مستحق للفضل و أنه لو عم لجاز منهم وقوع ما وقع من بلعم.
[١]. الطلاق: ١١- ١٢.
[٢]. الأعراف: ١٧٥.