كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٥٩١
إِلَيْهَا قَالَ الْحَاضِنُ لِلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَتَقُولُ شَيْئاً مَا سَمِعْنَا بِهِ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَكَ وَ لَا أَرَى بِكَ بَأْساً وَ مَا مِثْلِي يَذْكُرُ مَا لَا يَدْرِي مَا هُوَ فَاعْرِضْ عَلَيَّ سِلْعَتَكَ أَنْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنْ رَأَيْتَ شَيْئاً يَنْبَغِي لِي أَنْ أَذْكُرَهُ ذَكَرْتُهُ قَالَ لَهُ بِلَوْهَرُ إِنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ وَ إِنِّي لَأَرَى فِي بَصَرِكَ ضَعْفاً فَأَخَافُ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى سِلْعَتِي أَنْ يَلْتَمِعَ بَصَرُكَ وَ لَكِنِ ابْنُ الْمَلِكِ صَحِيحُ الْبَصَرِ حَدَثُ السِّنِّ وَ لَسْتُ أَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سِلْعَتِي فَإِنْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ كَانَتْ لَهُ مَبْذُولَةً عَلَى مَا يُحِبُّ وَ إِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ مَئُونَةٌ وَ لَا مَنْقَصَةٌ وَ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَسَعُكَ أَنْ تُحَرِّمَهُ إِيَّاهُ أَوْ تَطْوِيَهُ دُونَهُ فَانْطَلَقَ الْحَاضِنُ إِلَى ابْنِ الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ فَحَسَّ قَلْبُ ابْنِ الْمَلِكِ بِأَنَّهُ قَدْ وَجَدَ حَاجَتَهُ فَقَالَ عَجِّلْ إِدْخَالَ الرَّجُلِ عَلَيَّ لَيْلًا وَ لْيَكُنْ ذَلِكَ فِي سِرٍّ وَ كِتْمَانٍ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَتَهَاوَنُ بِهِ.
فَأَمَرَ الْحَاضِنُ بِلَوْهَرَ بِالتَّهَيُّؤِ لِلدُّخُولِ عَلَيْهِ فَحَمَلَ مَعَهُ سَفَطاً فِيهِ كُتُبٌ لَهُ فَقَالَ الْحَاضِنُ مَا هَذَا السَّفَطُ قَالَ بِلَوْهَرُ فِي هَذَا السَّفَطِ سِلْعَتِي فَإِذَا شِئْتَ فَأَدْخِلْنِي عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ بِلَوْهَرُ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَ حَيَّاهُ وَ أَحْسَنَ ابْنُ الْمَلِكِ إِجَابَتَهُ وَ انْصَرَفَ الْحَاضِنُ وَ قَعَدَ الْحَكِيمُ عِنْدَ الْمَلِكِ فَأَوَّلُ مَا قَالَ لَهُ بِلَوْهَرُ رَأَيْتُكَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ زِدْتَنِي فِي التَّحِيَّةِ عَلَى مَا تَصْنَعُ بِغِلْمَانِكَ وَ أَشْرَافِ أَهْلِ بِلَادِكَ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ ذَلِكَ لِعَظِيمِ مَا رَجَوْتُ عِنْدَكَ قَالَ بِلَوْهَرُ لَئِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِي فَقَدْ كَانَ رَجُلًا مِنَ الْمُلُوكِ فِي بَعْضِ الْآفَاقِ يُعْرَفُ بِالْخَيْرِ وَ يُرْجَى فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ يَوْماً فِي مَوْكِبِهِ إِذْ عَرَضَ لَهُ فِي مَسِيرِهِ رَجُلَانِ مَاشِيَانِ لِبَاسُهُمَا الْخَلِقَانِ وَ عَلَيْهِمَا أَثَرُ الْبُؤْسِ وَ الضُّرِّ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا الْمَلِكُ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَحَيَّاهُمَا وَ صَافَحَهُمَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ وُزَرَاؤُهُ اشْتَدَّ جَزَعُهُمْ مِمَّا صَنَعَ الْمَلِكُ فَأَتَوْا أَخاً لَهُ وَ كَانَ جَرِيّاً عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ إِنَّ الْمَلِكَ أَزْرَى بِنَفْسِهِ وَ فَضَحَ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ وَ خَرَّ عَنْ دَابَّتِهِ لِإِنْسَانَيْنِ دَنِيَّيْنِ فَعَاتِبْهُ عَلَى ذَلِكَ كَيْ لَا يَعُودَ وَ لُمْهُ عَلَى مَا صَنَعَ فَفَعَلَ ذَلِكَ أَخُ الْمَلِكِ فَأَجَابَهُ الْمَلِكُ بِجَوَابٍ لَا يَدْرِي مَا حَالُهُ فِيهِ أَ سَاخِطٌ عَلَيْهِ الْمَلِكُ أَمْ رَاضٍ عَنْهُ فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ أَمَرَ الْمَلِكُ مُنَادِياً وَ كَانَ يُسَمَّى مُنَادِيَ الْمَوْتِ فَنَادَى فِي فِنَاءِ دَارِهِ وَ كَانَتْ تِلْكَ سُنَّتَهُمْ فِيمَنْ أَرَادُوا قَتْلَهُ فَقَامَتِ النَّوَائِحُ وَ النَّوَادِبُ فِي دَارِ أَخِ الْمَلِكِ وَ لَبِسَ ثِيَابَ الْمَوْتَى وَ انْتَهَى